صفي الرحمان مباركفوري
87
الرحيق المختوم
فكرة الطغاة في إعدام النبي صلى اللّه عليه وسلم وبعد فشل قريش وخيبتهم في الوفادتين عادوا إلى ضراوتهم وتنكيلهم بأشد مما كان قبل ذلك ، وخلال هذه الأيام نشأت في طغاتهم فكرة إعدامه صلى اللّه عليه وسلم بطريق أخرى ، وكانت هذه الفكرة وتلك الضراوة هي التي سببت في تقوية الإسلام ببطلين جليلين من أبطال مكة ، وهما : حمزة بن عبد المطلب ، وعمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما . فمن تلك الضراوة أن عتيبة بن أبي لهب أتى يوما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : أنا أكفر ب « النجم إذا هوى » و « بالذي دنا فتدلى » ثم تسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه ، وتفل في وجهه ، إلا أن البزاق لم يقع عليه ، وحينئذ دعا عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ، وقد استجيب دعاؤه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد خرج عتيبة مرة في نفر من قريش ، حتى نزلوا في مكان من الشام يقال له الزرقاء ، فطاف بهم الأسد تلك الليلة ، فجعل عتيبة يقول : يا ويل أخي ، هو واللّه آكلي كما دعا محمد عليّ ، قتلني وهو بمكة ، وأنا بالشام ، فغدا عليه الأسد من بين القوم وأخذ برأسه فذبحه « 1 » . ومنها ما ذكر أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان « 2 » . ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله صلى اللّه عليه وسلم ما رواه ابن إسحاق في حديث طويل ، قال : قال أبو جهل : يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، وإني أعاهد اللّه لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله ، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم ، قالوا : واللّه لا نسلمك لشيء أبدا ، فامض لما تريد . فلما أصبح أبو جهل ، أخذ حجرا كما وصف ، ثم جلس لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينتظره ، وغدا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما كان يغدو ، فقام يصلي ، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ، ينتظرون ما أبو جهل فاعل ، فلما سجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، احتمل أبو جهل الحجر ، ثم أقبل
--> ( 1 ) تفهيم القرآن 6 / 522 ، من الإستيعاب ، والإصابة ، ودلائل النبوة ، والروض الأنف ، ومختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 135 . ( 2 ) نفس المصدر الأخير ، ص 113 .