صفي الرحمان مباركفوري
82
الرحيق المختوم
كان رحيل هؤلاء تسللا في ظلمة الليل - حتى لا تفطن لهم قريش - خرجوا إلى البحر ، ويمموا ميناء شعيبة ، وقيضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة وفطنت لهم قريش ، فخرجت في آثارهم ، لكن لما بلغت إلى الشاطئ كانوا قد انطلقوا آمنين ، وأقام المسلمون في الحبشة في أحسن جوار « 1 » . وفي رمضان من نفس السنة خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الحرم ، وهناك جمع كبير من قريش ، كان فيه ساداتها وكبراؤها ، فقام فيهم ، وأخذ يتلو سورة النجم بغتة ، إن أولئك الكفار لم يكونوا سمعوا كلام اللّه قبل ذلك ، لأن أسلوبهم المتواصل كان هو العمل بما تواصى به بعضهم بعضا ، من قولهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ] فلما باغتهم بتلاوة هذه السورة ، وقرع آذانهم كلام إلهي رائع خلاب - لا يحيط بروعته وجلالته البيان - تفانوا عما هم فيه ، وبقي كل واحد مصغيا إليه ، لا يخطر بباله شيء سواه ، حتى إذا تلا في خواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب ثم قرأ : فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [ النجم : 62 ] ثم سجد ، لم يتمالك أحد نفسه حتى خر ساجدا ، وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين ، فما تمالكوا أن يخروا للّه ساجدين « 2 » . وسقط في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام اللّه لوى زمامهم ، فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه وإفنائه ، وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب ، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين ، وعند ذلك كذبوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير ، وأنه قال عنها : تلك الغرانقة العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى جاءوا بهذا الإفك المبين ، ليعتذروا عن سجودهم مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلفون الكذب ، ويطيلون الدس والافتراء « 3 » . بلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة ، ولكن في صورة تختلف تماما عن صورته الحقيقية ، بلغهم أن قريشا أسلمت ، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة ، فلما كانوا
--> ( 1 ) رحمة للعالمين 1 / 61 ، زاد المعاد 1 / 24 . ( 2 ) روى البخاري قصة السجود مختصرا عن ابن مسعود وابن عباس ، انظر باب سجدة النجم وباب سجود المسلمين والمشركين 1 / 146 ، وباب ما لقي النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة 1 / 543 . ( 3 ) تفهيم القرآن 5 / 188 ، وإلى هذا التوجيه جنح المحققون في حديث الغرانقة .