صفي الرحمان مباركفوري
79
الرحيق المختوم
يشده شدا ثم يضربه بالعصا ، وكان يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس ، كما كان يكرهه على الجوع ، وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول : لا واللّه لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ، وتعبد اللات والعزى . فيقول : - وهو في ذلك - أحد ، أحد ، حتى مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون ذلك به فاشتراه بغلام أسود ، وقيل بسبع أواق أو بخمس من الفضة وأعتقه « 1 » . وكان عمار بن ياسر رضي اللّه عنه مولى لبني مخزوم ، أسلم هو وأبوه وأمه ، فكان المشركون - وعلى رأسهم أبو جهل - يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء ، فيعذبونهم بحرها . ومر بهم النبي صلى اللّه عليه وسلم وهم يعذبون فقال : صبرا آل ياسر ! فإن موعدكم الجنة ، فمات ياسر في العذاب ، وطعن أبو جهل سمية - أم عمار - في قبلها بحربة فماتت ، وهي أول شهيدة في الإسلام ، وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة ، وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى ، وبالتغريق أخرى . وقالوا : لا نتركك حتى تسب محمدا ، أو تقول : في اللات والعزى خيرا ، فوافقهم على ذلك مكرها ، وجاء باكيا معتذرا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ الآية : [ النحل : 106 ] « 2 » . وكان أبو فكيهة - واسمه أفلح - مولى لبني عبد الدار ، فكانوا يشدون برجله الحبل ، ثم يجرونه على الأرض « 3 » . وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية ، فكان المشركون يذيقونه أنواعا من التنكيل ، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبا ، ويلوون عنقه تلوية عنيفة وأضجعوه مرات عديدة على فحام ملتهبة ، ثم وضعوا عليه حجرا ؛ حتى لا يستطيع أن يقوم « 4 » . وكانت زنيرة والنهدية وابنتها وأم عبيس إماء أسلمن ، وكان المشركون يسومونهن من
--> ( 1 ) رحمة للعالمين 1 / 57 ، تلقيح الفهوم ص 61 ، ابن هشام 1 / 317 ، 318 . ( 2 ) ابن هشام 1 / 319 ، 320 ، فقه السيرة لمحمد الغزالي ص 82 وروى بعض ذلك العوفي عن ابن عباس ، انظر مختصر السيرة للشيخ عبد اللّه ص 92 . ( 3 ) رحمة للعالمين 1 / 57 ، من إعجاز التنزيل ص 53 . ( 4 ) نفس المصدر 1 / 57 ، تلقيح فهوم أهل الأثر ص 60 .