صفي الرحمان مباركفوري

74

الرحيق المختوم

الإسلام ، وفيه نزل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 1 » [ لقمان : 6 ] . 4 - مساومات [ ومداهنات أنصاف الحلول ] حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه ، ويترك النبي صلى اللّه عليه وسلم بعض ما هو عليه وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [ القلم : 9 ] فهناك رواية رواها ابن جرير والطبراني تفيد أن المشركين عرضوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يعبد آلهتهم عاما ، ويعبدون ربه عاما . ورواية أخرى لعبد بن حميد تفيد أنهم قالوا : لو قبلت آلهتنا نعبد إلهك « 2 » . وروى ابن إسحاق بسنده ، قال : اعترض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وهو يطوف بالكعبة - الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمي - وكانوا ذوي أسنان في قومهم - فقالوا : يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه ، فأنزل اللّه تعالى فيهم : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ . لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ السورة كلها « 3 » . وحسم اللّه مفاوضتهم المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة . ولعل اختلاف الروايات لأجل أنهم حاولوا هذه المساومة مرة بعد أخرى . الاضطهادات أعمل المشركون الأساليب التي ذكرناها شيئا فشيئا لكف الدعوة بعد ظهورها في بداية السنة الرابعة من النبوة ، ومضت على ذلك أسابيع وشهور وهم مقتصرون على هذه الأساليب ، لا يتجاوزونها إلى طريق الاضطهاد والتعذيب ، ولكنهم لما رأوا أن هذه الأساليب لا تجدي لهم نفعا في كف الدعوة الإسلامية ؛ اجتمعوا مرة أخرى ، وكونوا منهم لجنة أعضاؤها خمسة وعشرون رجلا من سادات قريش ، رئيسها أبو لهب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبعد التشاور والتفكر اتخذت هذه اللجنة قرارا حاسما ضد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وضد أصحابه . فقررت ألّا تألوا جهدا في محاربة الإسلام ، وإيذاء رسوله ، وتعذيب الداخلين فيه ، والتعرض لهم بألوان من النكال والإيلام « 4 » .

--> ( 1 ) تفهيم القرآن 4 / 9 . ( 2 ) تفهيم القرآن 6 / 501 ، 205 . ( 3 ) ابن هشام 1 / 362 . ( 4 ) رحمة للعالمين 1 / 59 ، 60 .