صفي الرحمان مباركفوري

55

الرحيق المختوم

في ظلال النبوة والرسالة في غار حراء ولما تقاربت سنه صلى اللّه عليه وسلم الأربعين ، وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه ، حبب إليه الخلاء ، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور ، على مبعدة نحو ميلين من مكة - وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع ، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد - ومعه أهله قريبا منه ، فيقيم فيه شهر رمضان ، يطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قدرة مبدعة ، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة ، وتصوراتها الواهية ، ولكن ليس بين يديه طريق واضح ، ولا منهج محدد ، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه « 1 » . وكان اختياره صلى اللّه عليه وسلم لهذه العزلة طرفا من تدبير اللّه له ، وليعده لما ينتظره من الأمر العظيم . ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى . . . لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت ، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة ، وهموم الحياة ، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة . وهكذا دبر اللّه لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى ، وتغيير وجه الأرض ، وتعديل خط التاريخ : دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات ، ينطلق في هذه العزلة شهرا من الزمان ، مع روح الوجود الطليقة ، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون ، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن اللّه « 2 » . جبريل ينزل بالوحي ولما تكامل له أربعون سنة - وهي رأس الكمال ، وقيل : ولها تبعث الرسل - بدأت آثار النبوة تتلوح وتتلمع له من وراء آفاق الحياة ، وتلك الآثار هي الرؤيا ، فكان لا يرى رؤيا إلا

--> ( 1 ) رحمة للعالمين 1 / 47 ، وابن هشام 1 / 235 ، 236 ، في ظلال القرآن الجزء 29 / 166 . ( 2 ) نفس المصدر الأخير 29 / 166 ، 167 .