صفي الرحمان مباركفوري
446
الرحيق المختوم
فأنزل اللّه تعالى فيهم فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ « 1 » [ الأنعام : 33 ] وسأل هرقل أبا سفيان ، هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا . وكان أشد الناس تواضعا ، وأبعدهم عن الكبر ، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك ، وكان يعود المساكين ، ويجالس الفقراء ، ويجيب دعوة العبد ، ويجلس في أصحابه كأحدهم ، قالت عائشة : كان يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته ، وكان بشرا من البشر يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه « 2 » . وكان أوفى الناس بالعهود ، وأوصلهم للرحم ، وأعظم شفقة ورأفة ورحمة بالناس ، أحسن الناس عشرة وأدبا ، وأبسط الناس خلقا ، أبعد الناس من سوء الأخلاق ، لم يكن فاحشا ، ولا متفحشا ، ولا لعانا ، ولا صخابا في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه ، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس ، ويخدم من خدمه ، ولم يقل لخادمه أف قط ، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه ، وكان يحب المساكين ويجالسهم ، ويشهد جنائزهم ، ولا يحقر فقيرا لفقره . كان في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة ، فقال رجل : علي ذبحها وقال آخر : علي سلخها ، وقال آخر : علي طبخها ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : وعلي جمع الحطب ، فقالوا : نحن نكفيك . فقال : قد علمت أنكم تكفوني ، ولكني أكره أن أتميز عليكم ، فإن اللّه يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه ، وقام وجمع الحطب « 3 » . ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال هند فيما قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة ، ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه - لا بأطراف فمه - ويتكلم بجوامع الكلم ، فصلا لا فضول فيه ولا تقصير ، دمثا ليس بالجافي ولا بالمهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئا ، ولم يكن يذم ذواقا - ما يطعم - ولا يمدحه ، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها - سماحة - وإذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجب قلبها ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام . وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه ، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم ، يكرم كريم كل قوم ،
--> ( 1 ) مشكاة المصابيح 2 / 521 . ( 2 ) نفس المصدر 2 / 520 . ( 3 ) خلاصة السير ص 22 .