صفي الرحمان مباركفوري

436

الرحيق المختوم

النضرية أو القرظية ، كانت من سبايا قريظة ، فاصطفاها لنفسه ، وقيل : بل هي من أزواجه صلى اللّه عليه وسلم ، أعتقها فتزوجها . والقول الأول رجحه ابن القيم . وزاد أبو عبيدة اثنتين أخريين ، جميلة أصابها في بعض السبي ، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش « 1 » . ومن نظر إلى حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم عرف جيدا أن زواجه بهذا العدد الكثير من النساء في أواخر عمره بعد أن قضى ما يقارب ثلاثين عاما من ريعان شبابه وأجود أيامه مقتصرا على زوجة واحدة شبه عجوز - خديجة ثم سودة - عرف أن هذا الزواج لم يكن لأجل أنه وجد بغتة في نفسه قوة عارمة من الشبق ، لا يصبر معها إلا بمثل هذا العدد الكثير من النساء ؛ بل كانت هناك أغراض أخرى أجل وأعظم من الغرض الذي يحققه عامة الزواج . فاتجاه الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى مصاهرة أبي بكر وعمر بزواجه بعائشة وحفصة - وكذلك تزويجه ابنته فاطمة بعلي بن أبي طالب ، وتزويجه ابنته رقية ثم أم كلثوم بعثمان بن عفان - يشير إلى أنه يبغي من وراء ذلك توثيق الصلات بالرجال الأربعة ، الذين عرف بلاءهم وفداءهم للإسلام في الأزمات التي مرت به ، وشاء اللّه أن يجتازها بسلام . وكان من تقاليد العرب الاحترام للمصاهرة ، فقد كان الصهر عندهم بابا من أبواب التقرب بين البطون المختلفة ، وكانوا يرون مناوأة ومحاربة الأصهار سبة وعارا على أنفسهم ، فأراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بزواج عدة من أمهات المؤمنين أن يكسر سورة عداء القبائل للإسلام ، ويطفئ حدة بغضائها ، كانت أم سلمة من بني مخزوم - حي أبي جهل وخالد بن الوليد - فلما تزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يقف خالد من المسلمين موقفه الشديد بأحد ، بل أسلم بعد مدة غير طويلة طائعا راغبا ، وكذلك أبو سفيان لم يواجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأي محاربة بعد زواجه بابنته أم حبيبة ، وكذلك لا نرى من قبيلتي بني المصطلق وبني النضير أي استفزاز وعداء بعد زواجه بجويرية وصفية ؛ بل كانت جويرية أعظم النساء بركة على قومها ، فقد أطلق الصحابة أسر مائة بيت من قومها حين تزوجها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا : أصهار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولا يخفى ما لهذا المن من الأثر البالغ في النفوس . وأكبر من كل ذلك وأعظم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان مأمورا بتزكية وتثقيف قوم لم يكونوا يعرفون شيئا من آداب الثقافة والحضارة والتقيد بلوازم المدينة ، والمساهمة في بناء المجتمع وتعزيزه .

--> ( 1 ) انظر زاد المعاد : 1 / 29 .