صفي الرحمان مباركفوري

430

الرحيق المختوم

ثم لم يأت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقت صلاة أخرى . ولما ارتفع الضحى ، دعا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فاطمة فسارها بشيء فبكت . ثم دعاها ، فسارها بشيء فضحكت ، قالت عائشة ، فسألنا عن ذلك - أي فيما بعد - فقالت : سارت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه ، فبكيت ، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت « 1 » . وبشر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين « 2 » . ورأت فاطمة ما برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الكرب الشديد الذي يتغشاه ، فقالت : واكرب أباه . فقال لها : « ليس على أبيك كرب بعد اليوم « 3 » » . ودعا الحسن والحسين قبلهما ، وأوصى بهما خيرا ، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن . وطفق الوجع يشتد ويزيد ، وقد ظهر أثر السم الذي أكله يخبر حتى كان يقول : يا عائشة ، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم « 4 » . وأوصى الناس ، فقال : « الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم » ، كرر ذلك مرارا « 5 » . الاحتضار وبدأ الاحتضار فأسندته عائشة إليها ، وكانت تقول : إن من نعم اللّه عليّ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري ، وأن اللّه جمع بين ريقي وريقه عند موته . دخل عبد الرحمن - بن أبي بكر - وبيده السواك ، وأنا مسندة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرأيته ينظر إليه ، وعرفت أنه يحب السواك ، فقلت : آخذه لك ؟ فأشار برأسه أن نعم ، فتناولته ، فاشتد عليه ، وقلت : ألينه لك ؟ فأشار برأسه أن نعم ، فلينته . فأمره - وفي رواية أنه استن بها كأحسن ما كان مستنا - وبين يديه ركوة فيها ماء ، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ، يقول : « لا إله إلا اللّه ، إن للموت سكرات - الحديث - « 6 » » .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 638 . ( 2 ) ويدل بعض الرواة أن هذا الحوار والبشارة لم يكن في آخر يوم من حياته بل في آخر أسبوع . رحمة للعالمين 1 / 282 . ( 3 ) صحيح البخاري 2 / 641 . ( 4 ) نفس المصدر 2 / 637 . ( 5 ) نفس المصدر 2 / 637 . ( 6 ) صحيح البخاري . باب مرضي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم 2 / 640 .