صفي الرحمان مباركفوري

42

الرحيق المختوم

هذا أمر خصصت به ، فلم يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلى كاهنة بني سعد ، ولم يرجعوا حتى أراهم اللّه في الطريق ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بزمزم ، وحينئذ نذر عبد المطلب لئن آتاه اللّه عشرة أبناء ، وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة . وخلاصة الثاني أن أبرهة الصباح الحبشي ، النائب العام عن النجاشي على اليمن ، لما رأى العرب يحجون الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء ، وأراد أن يصرف حج العرب إليها ، وسمع بذلك رجل من بني كنانة ، فدخلها ليلا فلطخ قبلتها بالعذرة . ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه ، وسار بجيش عرمرم - عدده ستون ألف جندي - إلى الكعبة ليهدمها ، واختار لنفسه فيلا من أكبر الفيلة ، وكان في الجيش 9 فيلة أو 13 فيلا ، وواصل سيره حتى بلغ المغمس ، وهناك عبأ جيشه ، وهيأ فيله ، وتهيأ لدخول مكة ، فلما كان في وادي محسر بين المزدلفة ومنى برك الفيل ، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة ، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول ، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك ، فبينا هم كذلك إذ أرسل اللّه عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ، وكانت الطير أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر ثلاثة أحجار ، حجر في منقاره ، وحجران في رجليه أمثال الحمص ، لا تصيب منهم أحدا إلا صار تتقطع أعضاؤه ، وهلك ، وليس كلهم أصابت ، وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض فتساقطوا بكل طريق ، وهلكوا على كل منهل ، وأما أبرهة فبعث اللّه عليه داء تساقطت بسببه أنامله ، ولم يصل إلى صنعاء ، إلا وهو مثل الفرخ ، وانصدع صدره عن قلبه ثم هلك . وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب وتحرزوا في رؤوس الجبال ، خوفا على أنفسهم من معرة الجيش ، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين « 1 » . وكانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صلى اللّه عليه وسلم بخمسين يوما أو بخمسة وخمسين يوما - عند الأكثر - وهو يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة 571 م ، وكانت تقدمة قدمها اللّه لنبيه وبيته ، لأنا حين ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء اللّه تسلطوا على هذه القبلة ، وأهلها مسلمون كما وقع لبختنصر سنة 587 ق . م ، والرومان سنة 70 م ، ولكن الكعبة لم يسيطر عليها النصارى - وهم المسلمون إذ ذاك - مع أن أهلها كانوا مشركين .

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 43 إلى 56 ، تفهيم القرآن 66 / 462 إلى 469 .