صفي الرحمان مباركفوري

414

الرحيق المختوم

من الأشراف ، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران ، أحدهم العاقب ، كانت إليه الإمارة والحكومة واسمه عبد المسيح ، والثاني السيد ، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية واسمه الأيهم أو شرحبيل ، والثالث الأسقف وكانت إليه الزعامة الدينية ، والقيادة الروحانية ، واسمه أبو حارثة بن علقمة . ولما نزل الوفد بالمدينة ، ولقي النبي صلى اللّه عليه وسلم سألهم وسألوه ، ثم دعاهم إلى الإسلام ، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا ، وسألوه عما يقول في عيسى عليه السلام ، فمكث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يومه ذلك حتى نزل عليه : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ : تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [ آل عمران : 59 ، 60 ، 61 ] . ولما أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخبرهم بقوله في عيسى ابن مريم في ضوء هذه الآية الكريمة ، وتركهم ذلك اليوم ؛ ليفكروا في أمرهم ، فأبوا أن يقروا بما قال في عيسى . فلما أصبحوا وقد أبوا عن قبول ما عرض عليهم من قوله في عيسى ، وأبوا عن الإسلام دعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المباهلة ، وأقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له ، وفاطمة تمشي عند ظهره ، فلما رأوا منه الجد والتهيؤ خلوا وتشاوروا ، فقال كل من العاقب والسيد للآخر : لا تفعل فو اللّه لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك ، ثم اجتمع رأيهم على تحكيم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أمرهم ، فجاؤوا وقالوا : إنا نعطيك ما سألتنا . فقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم الجزية ، وصالحهم على ألفي حلة ، ألف في رجب ، وألف في صفر ، ومع كل حلة أوقية ، وأعطاهم ذمة اللّه وذمة رسوله ، وترك لهم الحرية الكاملة في دينهم ، وكتب لهم بذلك كتابا ، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلا أمينا ، فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح ؛ ليقبض مال الصلح . ثم طفق الإسلام يفشو فيهم ، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعد ما رجعا إلى نجران ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث إليهم عليا ، ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم ، ومعلوم أن الصدقة إنما يؤخذ من المسلمين « 1 » . 13 - وفد بني حنيفة - كانت وفادتهم سنة 9 ه . وكانوا سبعة عشر رجلا فيهم مسيلمة

--> ( 1 ) فتح الباري 8 / 94 ، 95 ، زاد المعاد 3 / 38 ، 39 ، 40 ، 41 ، وقد اضطربت الروايات في بيان كيفية وفد