صفي الرحمان مباركفوري
401
الرحيق المختوم
يحبنا ونحبه » وتسامع الناس بمقدمة ، فخرج النساء والصبيان والولائد يقابلن الجيش بحفاوة بالغة ويقلن « 1 » : طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا للّه داع وكان خروجه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك في رجب وعوده في رمضان ، واستغرقت هذه الغزوة خمسين يوما . أقام منها عشرين يوما في تبوك . والبواقي قضاها في الطريق جيئة وذهوبا . وكانت هذه الغزوة آخر غزواته صلى اللّه عليه وسلم . المخلفون وكانت هذه الغزوة - لظروفها الخاصة بها - اختبارا شديدا من اللّه تعالى ، امتاز به المؤمنون من غيرهم . كما هو دأبه تعالى في مثل هذه المواطن ، حيث يقول : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ آل عمران : 179 ] فقد خرج لهذه الغزوة كل من كان مؤمنا صادقا ، حتى صار التخلف أمارة على نفاق الرجل ، فكان الرجل إذا تخلف وذكروه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لهم : « دعوه ، فإن يكن فيه خير سيلحقه اللّه بكم ، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم منه » ، فلم يتخلف إلا من حبسهم العذر ، أو الذين كذبوا اللّه ورسوله من المنافقين ، الذين قعدوا بعد أن استأذنوا للقعود كذبا ، أو قعدوا ولم يستأذنوا رأسا . نعم كان هناك ثلاثة نفر من المؤمنين الصادقين تخلفوا من غير مبرر . وهم الذين أبلاهم اللّه ، ثم تاب عليهم . ولما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد ، فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فأما المنافقون - وهم بضعة وثمانون رجلا « 2 » - فجاؤوا يعتذرون بأنواع شتى من الأعذار ، وطفقوا يحلفون له ، فقبل منهم علانيتهم ، وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه . وأما النفر الثلاثة من المؤمنين الصادقين - وهم كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية - فاختاروا الصدق ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الصحابة أن لا يكلموا هؤلاء
--> ( 1 ) هذا رأي ابن القيم وقد مضى البحث عليه . ( 2 ) ذكر الواقدي أن هذا العدد كان من منافقي الأنصار . وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضا اثنين وثمانين رجلا من بني غفار وغيرهم . وأن عبد اللّه بن أبي ومن أطاعه من قومه كانوا من غير هؤلاء ذكر عدد كبير ( انظر فتح الباري 8 / 119 ) .