صفي الرحمان مباركفوري

396

الرحيق المختوم

ورسوله ، وعرضوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يصلي فيه ، وإنما مرامهم بذلك أن يخدعوا المؤمنين ، فلا يفطنوا ما يؤتي به في هذا المسجد من الدس والمؤامرة ضدهم ، ولا يلتفتوا إلى من يرده ويصدر عنه ، فيصير وكرة مأمونة لهؤلاء المنافقين ولرفقائهم في الخارج ، ولكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخر الصلاة فيه - إلى قفوله من الغزوة - لشغله بالجهاز ، ففشلوا في مرامهم وفضحهم اللّه ، حتى قام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بهدم المسجد بعد القفول من الغزو ، بدل أن يصلي فيه . الأخبار الخاصة عن استعداد الرومان وغسان كانت هذه هي الأحوال والأخبار التي يواجهها ويتلقاها المسلمون ، إذ بلغهم من الأنباط الذي يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن هرقل قد هيأ جيشا عرموما قوامه أربعون ألف مقاتل ، وأعطى قيادته لعظيم من عظماء الروم ، وأنه أجلب معهم قبائل لخم وجزام وغيرهما من متنصرة العرب ، وأن مقدمتهم بلغت إلى البلقاء . وهكذا تمثل أمام المسلمين خطر كبير . زيادة خطورة الموقف والذي كان يزيد خطورة الموقف أن الزمان كان فصل القيظ الشديد ، وكان الناس في عسرة وجدب من البلاء وقلة من الظهر ، وكانت الثمار قد طابت ، فكانوا يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون الشخوص على الحال ، من الزمان الذي هم فيه ، ومع هذا كله كانت المسافة بعيدة ، والطريق وعرة صعبة . الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقرر القيام بإقدام حاسم ولكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان ينظر إلى الظروف والتطورات بنظر أدق وأحكم من هذا كله . إنه كان يرى أنه لو توانى وتكاسل عن غزو الرومان في هذه الظروف الحاسمة ، وترك الرومان لتجوس خلال المناطق التي كانت تحت سيطرة الإسلام ونفوذه ، وتزحف إلى المدينة ؛ كان له أسوأ أثر على الدعوة الإسلامية ، وعلى سمعة المسلمين العسكرية ، فالجاهلية التي تلفظ نفسها الأخير بعد ما لقيت من الضربة القاسمة في حنين ستحيا مرة أخرى ، والمنافقون الذي يتربصون الدوائر بالمسلمين ، ويتصلون بملك الرومان بواسطة أبي عامر الفاسق سيبعجون بطون المسلمين بخناجرهم من الخلف ، في حين تهجم الرومان بحملة ضارية ضد المسلمين من الأمام ، وهكذا يخفق كثير من الجهود التي بذلها