صفي الرحمان مباركفوري

394

الرحيق المختوم

غزوة تبوك في رجب سنة 9 ه إن غزوة فتح مكة كانت غزوة فاصلة بين الحق والباطل : لم يبق بعدها مجال للريبة والظن في رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم عند العرب ، ولذلك انقلب المجرى تماما ، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا - كما سيظهر ذلك مما تقدمه في فصل الوفود ، ومن العدد الذي حضر في حجة الوداع - وانتهت المتاعب الداخلية واستراح المسلمون ، لتعليم شرائع اللّه ، وبث دعوة الإسلام . سبب الغزوة إلا أنها كانت هناك قوة تعرضت للمسلمين من غير مبرر ، وهي قوة الرومان - أكبر قوة عسكرية ظهرت على وجه الأرض في ذلك الزمان - وقد عرفنا فيما تقدم أن بداية هذا التعرض كانت بقتل سفير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - الحارث بن عمير الأزدي - على يدي شرحبيل بن عمرو الغساني ، حينما كان السفير يحمل رسالة النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى عظيم بصرى ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم أرسل بعد ذلك سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت بالرومان اصطداما عنيفا في مؤتة ، ولم تنجح في أخذ الثأر من أولئك الظالمين المتغطرسين ، إلا أنها تركت أروع أثر في نفوس العرب ، قريبهم وبعيدهم . ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالح المسلمين ، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقلالهم عن قيصر ، ومواطأتهم للمسلمين ، إن هذا كان خطرا يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة ، ويهدد الثغور الشامية التي تجاوز العرب ، فكان يرى أنه يجب القضاء على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها ، وقبل أن تثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان . ونظرا إلى هذه المصالح لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة ، حتى أخذ يهيء