صفي الرحمان مباركفوري

383

الرحيق المختوم

بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته ، والعباس بركابه ، يكفانها ، أن لا تسرع . ثم نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاستنصر ربه قائلا : اللهم أنزل نصرك . رجوع المسلمين واحتدام المعركة وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمه العباس - وكان جهير الصوت - أن ينادي الصحابة قال العباس : فقلت بأعلى صوتي : أين أصحاب السمرة ؟ قال : فو اللّه لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ، فقالوا : يا لبيك يا لبيك « 1 » . ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه ، فيأخذ درعه ، فيقذفها في عنقه ، ويأخذ سيفه وترسه ، ويقتحم عن بعيره ، ويخلي سبيله ، فيؤم الصوت ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس واقتتلوا . وصرفت الدعوة إلى الأنصار ، يا معشر الأنصار ، يا معشر الأنصار ، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج ، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة . وتجالد الفريقان مجالدة شديدة ، ونظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ساحة القتال ، وقد استحر واحتدم ، فقال : « الآن حمي الوطيس » . ثم أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبضة من تراب الأرض ، فرمى بها في وجوه القوم وقال : شاهت الوجوه ، فما خلق اللّه إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة ، فلم يزل حدهم كليلا وأمرهم مدبرا . انكسار حدة العدو ، وهزيمته الساحقة وما هي إلا ساعات قلائل - بعد رمي القبضة - حتى انهزم العدو هزيمة منكرة ، وقتل من ثقيف وحدهم نحو السبعين ، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح وظعن . وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [ التوبة : 25 ، 26 ] . حركة المطاردة ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف ، وطائفة إلى نخلة ، وطائفة إلى أوطاس ، فأرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري ،

--> ( 1 ) صحيح مسلم 2 / 100 .