صفي الرحمان مباركفوري

369

الرحيق المختوم

الجيش الإسلامي يغادر مر الظهران إلى مكة وفي هذا الصباح - صباح يوم الأربعاء للسابع عشر من شهر رمضان سنة 8 ه - غادر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مر الظهران إلى مكة ، وأمر العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود اللّه فيراها ، ففعل ، فمرت القبائل على راياتها ، كلما مرت به قبيلة قال : يا عباس من هذه ؟ فيقول : - مثلا - سليم ، فيقول : ما لي ولسليم ؟ ثم تمر به القبيلة فيقول : يا عباس من هؤلاء ؟ فيقول : مزينة ، فيقول : ما لي ولمزينة ؟ حتى نفدت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها ، فإذا أخبره قال : ما لي ولبني فلان ؟ حتى مر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كتيبته الخضراء ، فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، قال : سبحان اللّه يا عباس من هؤلاء ؟ قال : هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المهاجرين والأنصار . قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة . ثم قال : واللّه يا أبا الفضل لقد أصبح ابن أخيك اليوم عظيما . قال العباس : يا أبا سفيان ، إنها النبوة ، قال : فنعم إذن . وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فلما مر بأبي سفيان قال له اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل اللّه قريشا . فلما حاذى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا سفيان قال : يا رسول اللّه ألم تسمع ما قال سعد ؟ قال : وما قال ؟ فقال : كذا كذا . فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف : يا رسول اللّه ما نأمن أن يكون له في قريش صولة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « بل اليوم يوم تعظم فيه الكعبة ، اليوم يوم أعز اللّه فيه قريشا » ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء ، ودفعه إلى ابنه قيس ، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد . وقيل : بل دفعه إلى الزبير . قريش تباغت زحف الجيش الإسلامي ولما مر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأبي سفيان قال له العباس : النجاء إلى قومك . فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة ، وصرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد ، قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . فقامت إليه زوجته هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه فقالت : اقتلوا الحميت الدسم الأخمش الساقين ، قبح من طليعة قوم . قال أبو سفيان : ويلكم ، لا تغرنكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . قالوا : قاتلك اللّه ، وما تغني عنك دارك ؟ قال : ومن