صفي الرحمان مباركفوري

366

الرحيق المختوم

خيلهما حتى وجد المرأة بذلك المكان ، فاستنزلاها ، وقالا : معك كتاب ؟ فقالت : ما معي كتاب ، ففتشا رحلها فلم يجدا شيئا ، فقال لها علي : أحلف باللّه ، ما كذب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا كذبنا ، واللّه لتخرجن الكتاب أو لنجردنك . فلما رأت الجد منه ، قالت : أعرض . فأعرض ، فحلت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليهما ، فأتيا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا فيه : ( من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ) يخبرهم بمسير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حاطبا ، فقال : ما هذا يا حاطب ؟ فقال : لا تعجل عليّ يا رسول اللّه ، واللّه إني لمؤمن باللّه ورسوله ، وما ارتددت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ ملصقا في قريش ، لست من أنفسهم ، ولي فيهم أهل وعشيرة وولد ، وليس لي فيهم قرابة يحمونهم ، وكان من معك لهم قرابات يحمونهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي . فقال عمر بن الخطاب : دعني يا رسول اللّه أضرب عنقه ، فإنه قد خان اللّه ورسوله ، وقد نافق ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك يا عمر ، لعل اللّه قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » ، فذرفت عينا عمر ، وقال : اللّه ورسوله أعلم « 1 » . وهكذا أخذ اللّه العيون ، فلم يبلغ إلى قريش أي خبر من أخبار تجهز المسلمين وتهيؤهم للزحف والقتال . الجيش الإسلامي يتحرك نحو مكة ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك سنة 8 ه غادر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة متجها إلى مكة ، في عشرة آلاف من الصحابة رضي اللّه عنهم واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري . ولما كان بالجحفة أو فوق ذلك لقيه عمه العباس بن عبد المطلب ، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلما مهاجرا ، ثم لما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث وابن عمته عبد اللّه بن أبي أمية ، فأعرض عنهما ، لما كان يلقاه منهما من شدة الأذى والهجو ، فقالت له أم سلمة : لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك . وقال علي لأبي سفيان بن الحارث : ائت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف : قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ، وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [ يوسف : 91 ] . فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا . ففعل ذلك أبو سفيان ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تَثْرِيبَ

--> ( 1 ) انظر صحيح البخاري 1 / 422 ، 2 / 612 .