صفي الرحمان مباركفوري

303

الرحيق المختوم

ثم مشى بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ، ثم نزل بالناس ، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض ، فوقعوا نياما . فعل ذلك ؛ ليشغل الناس عن الحديث . أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وحلف باللّه ما قلت ما قال ، ولا تكلمات به ، وقال من حضر من الأنصار : يا رسول اللّه ، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل ، فصدقه ، قال زيد : فأصابني هم لم يصبني مثله قط ، فجلست في بيتي ، فأنزل اللّه إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ إلى قوله : هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا إلى لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، فأرسل إليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقرأها عليّ ، ثم قال : إن اللّه قد صدقك « 1 » . وكان ابن هذا المنافق - وهو عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي - رجلا صالحا من الصحابة الأخيار ، فتبرأ من أبيه ، ووقف له على باب المدينة ، واستل سيفه ، فلما جاء ابن أبي قال له : واللّه لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه العزيز وأنت الذليل ، فلما جاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أذن له ، فخلى سبيله ، وكان قد قال عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي : يا رسول اللّه إن أردت قتله فمرني بذلك ، فأنا واللّه أحمل إليك رأسه « 2 » . 2 - حديث الإفك وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك ، وملخصها أن عائشة رضي اللّه عنها كانت قد خرج بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها ، وكانت تلك عادته مع نسائه ، فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل ، فخرجت عائشة لحاجتها ، ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه ، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها ، فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها فظنوها فيه فحملوا الهودج ، ولا ينكرون خفته ، لأنها رضي اللّه عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها ، وأيضا فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته ، ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين لم يخف عليهما الحال ، فرجعت عائشة إلى منازلهم ، وقد أصابت العقد ، فإذا ليس به داع ولا مجيب ، فقعدت في

--> ( 1 ) انظر صحيح البخاري 1 / 499 ، 2 / 728 ، 729 ، وابن هشام 2 / 290 ، 291 ، 292 . ( 2 ) نفس المصدر الأخير ، ومختصر السيرة للشيخ عبد اللّه النجدي ص 277 .