صفي الرحمان مباركفوري

292

الرحيق المختوم

ولما أتم أمر قريظة أجيبت دعوة العبد الصالح سعد بن معاذ رضي اللّه عنه - التي قدمنا ذكرها في غزوة الأحزاب - وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد ضرب له خيمة في المسجد ليعوده من قريب ، فلما تم أمر قريظة انتقضت جراحته . قالت عائشة : فانفجرت من لبته فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا والدم يسيل إليهم ، فقالوا : يا أهل الخيمة ، ما هذا يأتينا من قبلكم ، فإذا سعد يغذوا جرحه دما ، فمات منها « 1 » . وفي الصحيحين عن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ « 2 » . وصحح الترمذي من حديث أنس : قال : لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون : ما أخف جنازته ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الملائكة كانت تحمله » « 3 » . قتل في حصار بني قريظة رجل واحد من المسلمين ، وهو خلاد بن سويد ، الذي طرحت عليه الرحى امرأة من قريظة ، ومات في الحصار أبو سنان بن محصن أخو عكاشة . أما أبو لبابة ، فأقام مرتبطا بالجذع ست ليال ، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ، ثم يعود فيرتبط بالجذع ، ثم نزلت توبته على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سحرا ، وهو في بيت أم سلمة ، فقامت على باب حجرتها ، وقالت لي : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب اللّه عليك ، فثار الناس يطلقوه ، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما مرّ النبي صلى اللّه عليه وسلم خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه . وقعت هذه الغزوة في ذي القعدة سنة 5 ه ، ودام الحصار خمسا وعشرين ليلة « 4 » . وأنزل اللّه تعالى في غزوة الأحزاب وبني قريظة آيات من سورة الأحزاب ، علق فيها على أهم جزئيات الوقعة بين حال المؤمنين والمنافقين ، ثم تخذيل الأحزاب ، ونتائج الغدر من أهل الكتاب .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 591 . ( 2 ) صحيح البخاري 1 / 536 ، وصحيح مسلم 2 / 294 ، وجامع الترمذي 2 / 225 . ( 3 ) جامع الترمذي 2 / 225 . ( 4 ) ابن هشام 2 / 227 ، 228 ، وانظر لتفصيل هذه الغزوة ابن هشام 2 / 233 إلى 273 وصحيح البخاري 2 / 590 ، 591 ، زاد المعاد 2 / 72 ، 73 ، 74 ، مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 287 ، 288 ، 289 ، 290 .