صفي الرحمان مباركفوري
289
الرحيق المختوم
ويكبسوهم يوم السبت ، لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه ، فأبوا أن يجيبوه إلى واحدة من هذه الخصال الثلاث ، وحينئذ قال سيدهم كعب بن أسد ، في انزعاج وغضب ، ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما . ولم يبق لقريظة بعد رد هذه الخصال الثلاث إلا أن ينزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لكنهم أرادوا أن يتصلوا ببعض حلفائهم من المسلمين ، لعلهم يتعرفون ما ذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه ، فبعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أرسل إلينا أبا لبابة نستشيره ، وكان حليفا لهم ، وكانت أمواله وولده في منطقتهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال ، وجهش النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرق لهم ، وقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم ! وأشار بيده إلى حلقه ، يقول إنه الذبح ، ثم علم من فوره أنه خان اللّه ورسوله فمضى على وجهه ، ولم يرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى أتى المسجد النبوي بالمدينة ، فربط نفسه بسارية المسجد ، وحلف أن لا يحله إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده ، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا . فلما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبره - وكان قد استبطأه - قال : أما إنه لو جاءني لاستغفرت له ، أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب اللّه عليه . وبرغم ما أشار إليه أبو لبابة قررت قريظة النزول على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولقد كان باستطاعة اليهود أن يتحملوا الحصار الطويل ؛ لتوفر المواد الغذائية والمياه والآبار ومناعة الحصون ، ولأن المسلمين كانوا يقاسون البرد القارس والجوع الشديد وهم في العراء ، مع شدة التعب الذي اعتراهم ، لمواصلة الأعمال الحربية من قبل بداية معركة الأحزاب ، إلا أن حرب قريظة كانت حرب أعصاب ، فقد قذف اللّه في قلوبهم الرعب ، وأخذت معنوياتهم تنهار ، وبلغ هذا الانهيار إلى نهايته أن تقدم علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وصاح علي : يا كتيبة الإيمان ، واللّه لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم . وحينئذ بادروا إلى النزول على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باعتقال الرجال ، فوضعت القيود في أيديهم تحت إشراف محمد بن سلمة الأنصاري ، وجعلت النساء والذراري بمعزل عن الرجال في ناحية ، وقامت الأوس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا رسول اللّه ، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت ، وهم حلفاء إخواننا الخزرج ، وهؤلاء موالينا ، فأحسن فيهم ، فقال : ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى . قال : فذاك إلى سعد بن معاذ . قالوا : قد رضينا .