صفي الرحمان مباركفوري
286
الرحيق المختوم
ثم مضى نعيم على وجهه إلى قريش ، وقال لهم : تعلمون ودي لكم ونصحي لكم ؟ قالوا : نعم ، قال : إن يهود قد ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه ، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ، ثم يوالونه عليكم ، فإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم ، ثم ذهب إلى غطفان ، فقال لهم مثل ذلك . فلما كان ليلة السبت من شوال - سنة 5 ه - بعثوا إلى يهود : إنا لسنا بأرض مقام ، وقد هلك الكراع والخف ، فانهضوا بنا حتى نناجز محمدا ، فأرسل إليهم اليهود إن اليوم يوم السبت ، وقد علمتم ما أصاب من قبلنا حين أحدثوا فيه ، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهائن . فلما جاءتهم رسلهم بذلك قالت قريش وغطفان : صدقكم واللّه نعيم ، فبعثوا إلى يهود : إنا واللّه لا نرسل إليكم أحدا ، فأخرجوا معنا حتى نناجز محمدا . فقالت قريظة : صدقكم واللّه نعيم . فتخاذل الفريقان ، ودبت الفرقة بين صفوفهم ، وخارت عزائمهم . وكان المسلمون يدعون اللّه تعالى : « اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا » ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الأحزاب ، فقال : « اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، اللهم أهزمهم وزلزلهم » « 1 » . وقد سمع اللّه دعاء رسوله والمسلمين ، فبعد أن دبت الفرقة في صفوف المشركين ، وسرى بينهم التخاذل ، أرسل اللّه عليهم جندا من الريح ، فجعلت تقوض خيامهم ، ولا تدع لهم قدرا إلا كفأتها ، ولا طنبا إلا قلعته ، ولا يقر لهم قرار ، وأرسل جندا من الملائكة يزلزلونهم ، ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف . وأرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تلك الليلة الباردة القارسة حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم ، فوجدهم على هذه الحال ، وقد تهيئوا للرحيل ، فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبره برحيل القوم ، فأصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد رد اللّه عدوه بغيظه لم ينالوا خيرا ، وكفاه اللّه قتالهم ، فصدق وعده وأعز جنده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، فرجع إلى المدينة . وكانت غزوة الخندق سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين ، وأقام المشركون محاصرين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين شهرا أو نحو شهر ، ويبدو بعد الجمع بين
--> ( 1 ) صحيح البخاري كتاب الجهاد 1 / 411 ، وكتاب المغازي 2 / 590 .