صفي الرحمان مباركفوري
283
الرحيق المختوم
النضير إلى ديار بني قريظة ، فأتى كعب بن أسد القرظي - سيد بني قريظة ، وصاحب عقدهم وعهدهم ، وكان قد عاقد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن ينصره إذا أصابته حرب كما تقدم - فضرب عليه حيي الباب ، فأغلقه كعب دونه ، فما زال يكلمه حتى فتح له بابه ، فقال حيي : إني قد جئتك يا كعب بعز الدهر وببحر طام ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها ، حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال من رومة ، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد ، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه . فقال له كعب : جئتني واللّه بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه ، فهو يرعد ويبرق ، ليس فيه شيء ، ويحك يا حيي ! فدعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء . فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب ، حتى سمح له على أن أعطاه عهدا من اللّه وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ، ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك ، حتى يصيبني ما أصابك ، فنقض كعب بن أسد عهده ، وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين ، ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين « 1 » . وفعلا قد قامت يهود بني قريظة بعمليات الحرب . قال ابن إسحاق : كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت ، وكان حسان فيه مع النساء والصبيان ، قالت صفية : فمر بنا رجل من يهود ، فجعل يطيف بالحصن ، وقد حاربت بنو قريظة ، وقطعت ما بينها وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون في غور عدوهم ، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إن أتانا آت ، قالت : فقلت يا حسان ، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن ، وإني واللّه ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود ، وقد شغل عنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فأنزل إليه فاقتله . قال : واللّه لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ، قالت : فاحتجزت « 2 » ثم أخذت عمودا ، ثم نزلت من الحصن إليه ، فضربته بالعمود حتى قتلته ، ثم رجعت إلى الحصن ، وقلت : يا حسان انزل إليه فاسلبه ، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل . قال : ما لي بسلبه من حاجة « 3 » .
--> ( 1 ) ابن هشام 2 / 220 ، 221 . ( 2 ) احتجزت : شدة وسطها . ( 3 ) ابن هشام 2 / 228 ، يحمل هذا الحديث على أن حسانا كان جبانا ، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره ، -