صفي الرحمان مباركفوري

277

الرحيق المختوم

واتجهت هذه الأحزاب ، وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه . وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عرمرم يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل ، جيش ربما يزيد عدده على جميع من في المدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ . ولو بلغت هذه الأحزاب المحزبة والجنود المجندة إلى أسوار المدينة بغتة لكانت أعظم خطر على كيان المسلمين مما يقاس ، ربما تبلغ إلى استئصال الشأفة وإبادة الخضراء ، ولكن قيادة المدينة كانت قيادة متيقظة ، لم تزل واضعة أناملها على العروق النابضة ، تتجسس الظروف ، وتقدر ما يتمخض عن مجراها ، فلم تكد تتحرك هذه الجيوش عن مواضعها حتى نقلت استخبارات المدينة إلى قيادتها فيها بهذا الزحف الخطير . وسارع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري أعلى ، تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة ، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى ، اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضي اللّه عنه . قال سلمان : يا رسول اللّه ، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا - وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك - . وأسرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تنفيذ هذه الخطة ، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعا . وقام المسلمون بجد ونشاط يحفرون الخندق ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحثهم ويساهمهم في عملهم هذا ، ففي البخاري عن سهل بن سعد ، قال : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الخندق ، وهم يحفرون ، ونحن ننقل التراب على أكتادنا « 1 » ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة * فاغفر للمهاجرين والأنصار « 2 » وعن أنس : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الخندق ، فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة ، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم . فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال : اللهم إن العيش عيش الآخرة * فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا مجيبين له :

--> ( 1 ) أكتادنا : بالمثناة جمع كتد وهو ما بين الكاهل إلى الظهر . ( 2 ) صحيح البخاري باب غزوة الخندق 2 / 588 .