صفي الرحمان مباركفوري

275

الرحيق المختوم

غزوة الأحزاب عاد السلام والأمن ، وهدأت الجزيرة العربية بعد الحروب والبعثات التي استغرقت أكثر من سنة كاملة ، إلا أن اليهود - الذين كانوا قد ذاقوا ألوانا من الذلة والهوان نتيجة غدرهم وخيانتهم ومؤامراتهم ودسائسهم - لم يفيقوا من غيهم ، ولم يستكينوا ولم يتعظوا بما أصابهم نتيجة الغدر والتامر ، فبعد نفيهم إلى خيبر ظلوا ينتظرون ما يحل بالمسلمين نتيجة المناوشات التي كانت قائمة بين المسلمين والوثنيين . ولما تحول مجرى الأيام لصالح المسلمين ، وتمخضت الليالي والأيام عن بسط نفوذهم ، وتوطد سلطانهم ، تحرق هؤلاء اليهود أي تحرق . وشرعوا في التأمر من جديد على المسلمين ، وأخذوا يعدون العدة ، لتهيئة ضربة إلى المسلمين تكون قاتلة لا حياة بعدها . ولما لم يكونوا يجدون في أنفسهم جرأة على مناورة المسلمين مباشرة ، خططوا لهذا الغرض خطة رهيبة . خرج عشرون رجلا من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة ، يحرضونهم على غزو الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ويوالونهم عليه ، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم ، فأجابتهم قريش ، وقريش قد أخلفت وعدها في الخروج إلى بدر ، فرأت في ذلك إنقاذ سمعتها والبر بكلمتها . ثم خرج هذا الوفد إلى غطفان ، فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشا ، فاستجابوا لذلك ، ثم طاف الوفد في قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك ، فاستجاب له من استجاب ، وهكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ودعوته والمسلمين . وفعلا خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة - وقائدهم أبو سفيان - في أربعة آلاف ، ووافاهم بنو سليم بمر الظهران ، وخرجت من الشرق قبائل غطفان : بنو فزارة ، يقودهم عيينة بن حصن ، وبنو مرة ، يقودهم الحارث بن عوف ، وبنو أشجع يقودهم مسعر بن رخيلة كما خرجت بنو أسد وغيرها .