صفي الرحمان مباركفوري
273
الرحيق المختوم
وقال لأصحابه : يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن ، وإن عامكم هذا عام جدب ، وإني راجع فارجعوا . ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر الجيش أيضا ، فقد رجع الناس ولم يبدوا أي مصادمة لهذا الرأي وأي إصرار وإلحاح على مواصلة السير للقاء المسلمين . وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام ينتظرون العدو ، وباعوا ما معهم من التجارة فربحوا بدرهم درهمين ، ثم رجعوا إلى المدينة وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم ، وتوطدت هيبتهم في النفوس وسادوا على الموقف . وتعرف هذه الغزوة ببدر الموعد ، وبدر الثانية ، وبدر الآخرة وبدر الصغرى « 1 » . غزوة دومة الجندل عاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بدر ، وقد ساد المنطقة الأمن والسلام ، واطمأنت دولته ، فتفرغ للتوجه إلى أقصى حدود العرب حتى تصير السيطرة للمسلمين على الموقف ، ويعترف بذلك الموالون والمعادون . مكث بعد بدر الصغرى في المدينة ستة أشهر ، ثم جاءت إليه الأخبار بأن القبائل حول دومة الجندل - قريبا من الشام - تقطع الطريق هناك ، وتنهب ما يمر بها ، وأنها قد حشدت جمعا كبيرا تريد أن تهاجم المدينة ، فاستعمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ، وخرج في ألف من المسلمين لخمس ليال بقين من ربيع الأول سنة 5 ه ، وأخذ رجلا من بني عذرة دليلا للطريق يقال له مذكور . خرج يسير الليل ويكمن النهار ، حتى يفاجئ أعداءهم وهم غارون ، فلما دنا منهم إذا هم مغربون ، فهجم على ماشيتهم ورعائهم ، فأصاب من أصاب ، وهرب من هرب . وأما أهل دومة الجندل ففروا في كل وجه ، فلما نزل المسلمون بساحتهم لم يجدوا أحدا . وأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أيام ، وبث السرايا وفرق الجيوش ، فلم يصب منهم أحدا ، ثم رجع إلى المدينة ، ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن . ودومة : بالضم ، موضع معروف بمشارف الشام ، بينها وبين دمشق خمس ليال ، وبعدها من المدينة خمس عشرة ليلة .
--> ( 1 ) نظر لتفصيل هذه الغزوة ابن هشام 2 / 209 ، 210 ، زاد المعاد 2 / 112 .