صفي الرحمان مباركفوري

267

الرحيق المختوم

مأساة بئر معونة وفي نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرجيع وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى ، وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة . وملخصها أن أبا براء عامر بن مالك ( المدعو بملاعب الأسنة ) قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد ، فقال : يا رسول اللّه لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك ، لرجوت أن يجيبوهم ، فقال : إني أخاف عليهم أهل نجد ، فقال أبو براء : أنا جار لهم ، فبعث معه أربعين رجلا - في قول ابن إسحاق ، وفي الصحيح أنهم كانوا سبعين ، والذي في الصحيح هو الصحيح - وأمر عليهم المنذر بن عمرو أحد بني ساعدة الملقب بالمعتق ليموت ، وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم ، فساروا يحتطبون بالنهار ، يشترون به الطعام لأهل الصفة ، ويتدارسون القرآن ، ويصلون بالليل ، حتى نزلوا بئر معونة - وهي أرض بين بني عامر وحرة بني سليم - فنزلوا هناك ، ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عدو اللّه عامر بن الطفيل ، فلم ينظر فيه ، وأمر رجلا فطعنه بالحربة من خلفه ، فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام : اللّه أكبر ، فزت ورب الكعبة . ثم استنفر عدو اللّه لفوره بني عامر إلى قتال الباقين ، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء ، فاستنفر بني سليم ، فأجابته عصية ورعل وذكوان ، فجاءوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم ، إلا كعب بن زيد بن النجار ، فإنه ارتث من بين القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق . وكان عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين ، فرأيا الطير تحوم على موضع الوقعة ، فنزل المنذر ، فقاتل المشركين حتى قتل مع أصحابه ، وأسر عمرو بن أمية الضمري ، فلما أخبر أنه من مضر جز عامر ناصيته ، وأعتقه عن رقبة كانت على أمه . ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم حاملا معه أنباء المصاب الفادح ، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين ، تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد ، إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح ، وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة . ولما كان عمرو بن أمية في الطريق بالقرقرة من صدر قناة ، نزل في ظل شجرة وجاء رجلان من بني كلاب فنزلا معه ، فلما ناما فتك بهما عمرو ، وهو يرى أنه قد أصاب ثأر