صفي الرحمان مباركفوري

265

الرحيق المختوم

فسارع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بعث سرية قوامها مائة وخمسون مقاتلا من المهاجرين والأنصار ، وأمر عليهم أبا سلمة وعقد له لواء ، وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم ، فتشتتوا في الأمر ، وأصاب المسلمون إبلا وشاء لهم ، فاستاقوها ، وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا حربا . كان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم سنة 4 ه ، وعاد أبو سلمه وقد نغر عليه جرح كان قد أصابه في أحد ، فلم يلبث حتى مات « 1 » . بعث عبد اللّه بن أنيس وفي اليوم الخامس من نفس الشهر - المحرم سنة 4 ه - نقلت الاستخبارات أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين ، فأرسل إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن أنيس ليقضي عليه . وظل عبد اللّه بن أنيس غائبا عن المدينة ثماني عشرة ليلة ، ثم قدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم ، وقد قتل خالدا « 2 » وجاء برأسه ، فوضعه بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأعطاه عصا ، وقال : هذه آية بيني وبينك يوم القيامة ، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تجعل معه في أكفانه « 3 » . بعث الرجيع وفي شهر صفر من نفس السنة - أي الرابعة من الهجرة - قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوم من عضل وقارة ، وذكروا أن فيهم إسلاما . وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ، ويقرئهم القرآن ، فبعث معهم ستة نفر - في قول ابن إسحاق وفي رواية البخاري أنهم كانوا عشرة - وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي - في قول ابن إسحاق وعند البخاري أنه عاصم بن ثابت جد عاصم بن عمر بن الخطاب - فذهبوا معهم ، فلما كانوا بالرجيع - وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بين رابغ وجدة - استصرخوا عليهم حيا من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فتبعوهم بقرب من مائة رام ، واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم ، فأحاطوا بهم - وكانوا قد لجئوا إلى فدفد - وقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا . فأما عاصم فأبى من النزول ، وقاتلهم في أصحابه ، فقتل منهم سبعة بالنبل ، وبقي خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى ، فنزلوا إليهم ، ولكنهم

--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 108 . ( 2 ) أي خالد بن سفيان الهذلي . ( 3 ) نفس المصدر 2 / 109 ، وابن هشام 2 / 619 ، 620 .