صفي الرحمان مباركفوري
260
الرحيق المختوم
ينجح في الاجتناب عن لقائه ، فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة ، فقال : هل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة : وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة ؟ . قالوا : نعم . قال : فأبلغوا محمدا أنا قد أجمعنا الكرة ؛ لنستأصله ونستأصل أصحابه . فمر الركب برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وهم بحمراء الأسد ، فأخبرهم بالذي قاله أبو سفيان ، وقالوا : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم أي زاد المسلمين قولهم ذلك - إيمانا وَقالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ . أقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحمراء الأسد بعد - مقدمة يوم الأحد - الاثنين والثلاثاء والأربعاء - 9 / 10 / 11 شوال سنة 3 ه - ثم رجع إلى المدينة . وأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل الرجوع إلى المدينة أبا عزة الجمحي - وهو الذي كان قد من عليه من أسارى بدر ؛ لفقره وكثرة بناته ، على أن لا يظاهر عليه أحدا ، ولكنه نكث وغدر ، فحرض الناس بشعره على النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين كما أسلفنا ، وخرج لمقاتلتهم في أحد - فلما أخذه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : يا محمد أقلني ، وامنن علي ، ودعني لبناتي ، وأعطيك عهدا ألّا أعود لمثل ما فعلت ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول : خدعت محمدا مرتين ، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، ثم أمر الزبير أو عاصم بن ثابت فضرب عنقه » . كما حكم بالإعدام في جاسوس من جواسيس مكة ، وهو معاوية بن المغيرة بن أبي العاص ، جد عبد الملك بن مروان لأمه ، وذلك أنه لما رجع المشركون يوم أحد جاء معاوية هذا إلى ابن عمه عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، فاستأمن له عثمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتله ، فلما خلت المدينة من الجيش الإسلامي أقام فيها أكثر من ثلاث يتجسس لحساب قريش ، فلما رجع الجيش خرج معاوية هاربا ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زيد بن حارثة وعمار بن ياسر ، فتعقباه حتى قتلاه « 1 » .
--> ( 1 ) أخذنا تفصيل غزوة أحد ، وحمراء الأسد من ابن هشام 2 / 60 إلى 129 ، وزاد المعاد 2 / 91 إلى 108 ، وفتح الباري 7 / 345 إلى 377 مع صحيح البخاري ، ومختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي من ص 242 إلى 257 ، وقد أحلنا على المصادر الأخرى في مواضعها .