صفي الرحمان مباركفوري
245
الرحيق المختوم
بداية تجمع الصحابة حول الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة . وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته صلى اللّه عليه وسلم - الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال - لم يكادوا يرون تطور الموقف ، أو يسمعون صوته صلى اللّه عليه وسلم ، حتى أسرعوا إليه ، لئلا يصل إليه شيء يكرهونه ، إلا أنهم وصلوا وقد لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما لقي من الجراحات - وستة من الأنصار قد قتلوا ، والسابع قد أثبتته الجراحات ، وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح - فلما وصلوا أقاموا حوله سياجا من أجسادهم وسلاحهم ، وبالغوا في وقايته من ضربات العدو ، ورد هجماتهم ، وكان أول من رجع إليه هو ثانيه في الغار أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه . روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت : قال أبو بكر الصديق لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكنت أول من فاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه ويحميه ، قتل : كن طلحة ، فداك أبي وأمي ، كن طلحة ، فداك أبي وأمي ، فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح ، وإذا هو يشتد كأنه طير ، حتى لحقني ، فدفعنا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا طلحة بين يديه صريعا ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دونكم أخاكم فقد أوجب » ، وقد رمي النبي صلى اللّه عليه وسلم في وجنته ، حتى غابت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، فذهبت لأنزعهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال أبو عبيدة : نشدتك باللّه يا أبا بكر إلا تركتني . قال : فأخذ بفيه ، فجعل ينضضه كراهية أن يؤذي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ثم استل السهم بفيه ، فندرت ثنية أبي عبيدة ، قال أبو بكر : ثم ذهبت لآخذ الآخر ، فقال أبو عبيدة : نشدتك باللّه يا أبا بكر إلا تركتني ، قال : فأخذه فجعل ينضضه حتى استله ، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « دونكم أخاكم ، فقد أوجب » ، قال : فأقبلنا على طلحة نعالجه . وقد أصابته بضع عشرة ضربة « 1 » . وهذا أيضا يدل على مدى كفاءة طلحة ذلك اليوم في الكفاح والنضال . وخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي صلى اللّه عليه وسلم عصابة من أبطال المسلمين ، منهم أبو دجانة ، ومصعب بن عمير ، وعلي بن أبي طالب ، وسهل بن حنيف ، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري ، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية ، وقتادة بن النعمان ، وعمر بن الخطاب ، وحاطب بن أبي بلتعة ، وسهل بن حنيف ، وأبو طلحة .
--> ( 1 ) زاد المعاد 2 / 95 .