صفي الرحمان مباركفوري

232

الرحيق المختوم

وتقدموا إليه ، وألجأ أعداءه إلى قبول موضع منخفض يصعب عليهم جدا أن يحصلوا على شيء من فوائد الفتح إن كانت الغلبة لهم ، ويصعب عليهم الإفلات من المسلمين المطاردين إن كانت الغلبة للمسلمين ، كما أنه عوض النقص العددي في رجاله باختيار نخبة ممتازة من أصحابه الشجعان البارزين . وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يوم السبت السابع من شهر شوال سنة 3 ه . الرسول صلى اللّه عليه وسلم ينفث روح البسالة في الجيش : ونهى الرسول صلى اللّه عليه وسلم الناس عن الأخذ في القتال حتى يأمرهم ، وظاهر بين درعين ، وحرض أصحابه على القتال ، وحضهم على المصابرة والجلاد عند اللقاء ، وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه ، حتى جرد سيفا باترا ونادى أصحابه : من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فقام إليه رجال ليأخذوه - منهم علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وعمر بن الخطاب - حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة ، فقال : وما حقه يا رسول اللّه ؟ قال : « أن تضرب به وجوه العدو حتى ينحني . قال : أنا آخذه بحقه يا رسول اللّه ، فأعطاه إياه . وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب ، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل حتى الموت . فلما أخذ السيف عصب رأسه بتلك العصابة ، وجعل يتبختر بين الصفين ، وحينئذ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنها لمشية يبغضها اللّه إلا في مثل هذا الموطن . تعبئة الجيش المكي : أما المشركون فعبئوا جيشهم حسب نظام الصفوف ، فكانت القيادة العامة إلى أبي سفيان صخر بن حرب الذي تمركز في قلب الجيش ، وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد - وكان إذ ذاك مشركا - وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل ، وعلى المشاة صفوان بن أمية ، وعلى رماة النبل عبد اللّه بن أبي ربيعة . أما اللواء فكان إلى مفرزة من بني عبد الدار ، وقد كان ذلك منصبهم منذ أن اقتسمت بنو عبد مناف المناصب التي ورثوها من قصي بن كلاب - كما أسلفنا في أوائل المقالة - وكان لا يمكن لأحد أن ينازعهم في ذلك ، تقيدا بالتقاليد التي ورثوها كابرا عن كابر ، بيد أن القائد العام - أبا سفيان - ذكرهم بما أصاب قريشا يوم بدر حين أسر حامل لوائهم