صفي الرحمان مباركفوري
23
الرحيق المختوم
فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، صار جمع من الفريقين فريسة له ، ثم تداعوا إلى الصلح فحكموا يعمر بن عوف أحد بني بكر ، فقضى بأن قصيا أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة ، وكل دم أصابه قصي منهم موضوع بشدخة تحت قدميه ، وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية ، وأن يخلي بين قصي وبين الكعبة - فسمي يعمر يومئذ الشداخ « 1 » - وكان استيلاء قصي على مكة والبيت في أواسط القرن الخامس للميلاد سنة 440 م « 2 » وبذلك صارت لقصي ، ثم لقريش السيادة التامة ، والأمر النافذ في مكة ، وصار الرئيس الديني لذلك البيت الذي كانت تفد إليه العرب من جميع أنحاء الجزيرة . ومما فعله قصي بمكة أنه جمع قومه من منازلهم إلى مكة ، وقطعها رباعا بين قومه ، وأنزل كل قوم من قريش منازلهم التي أصبحوا عليها ، وأقر النسأة وآل صفوان ، وعدوان ومرة بن عوف على ما كانوا عليه من المناصب ؛ لأنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي تغييره « 3 » . ومن مآثر قصي أنه أسس دار الندوة بالجانب الشمالي من مسجد الكعبة ، وجعل بابها إلى المسجد ، وكانت مجمع قريش ، وفيها تفصل مهام أمورها ، ولهذه الدار فضل على قريش ؛ لأنها ضمنت اجتماع الكلمة وفض المشاكل بالحسنى « 4 » . [ رئاسة قصي ] وكان لقصي من مظاهر الرئاسة والتشريف : 1 - رئاسة دار الندوة ، ففيها كانوا يتشاورون فيما نزل بهم من جسام الأمور ، ويزوجون فيها بناتهم . 2 - اللواء ، فكانت لا تعقد راية الحرب إلا بيده . 3 - الحجابة وهي حجابة الكعبة ، لا يفتح بابها إلا هو ، وهو الذي يلي أمر خدمتها وسدانتها . 4 - سقاية الحاج ، وهي أنهم كانوا يملئون للحجاج حياضا من الماء ، يحلونها بشيء من التمر والزبيب ، فيشرب الناس منها إذا وردوا مكة « 5 » .
--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 123 - 124 . ( 2 ) قلب جزيرة العرب ص 232 . ( 3 ) ابن هشام 1 / 124 - 125 . ( 4 ) ابن هشام 1 / 125 ، محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري 1 / 36 ، وأخبار الكرام ص 152 . ( 5 ) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري 1 / 36 .