صفي الرحمان مباركفوري
227
الرحيق المختوم
من أصحابه يقتلون ، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته وتأول الدرع بالمدينة » . ثم قدم رأيه إلى صحابته أن لا يخرجوا من المدينة . وأن يتحصنوا بها ، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بشر مقام وبغير جدوى ، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت ، وكان هذا هو الرأي . ووافقه على هذا الرأي عبد اللّه بن أبيّ بن سلول - رأس المنافقين - وكان قد حضر المجلس بصفته أحد زعماء الخزرج . ويبدو أن موافقته لهذا الرأي لم تكن لأجل أن هذا هو الموقف الصحيح من حيث الوجهة العسكرية ، بل ليتمكن من التباعد عن القتال دون أن يعلم بذلك أحد ، وشاء اللّه أن يفتضح هو وأصحابه - لأول مرة - أمام المسلمين ، وينكشف عنهم الغطاء الذي كان كفرهم ونفاقهم يكمن وراءه ، ويتعرف المسلمون في أحرج ساعتهم على الأفاعي التي كانت تتحرك تحت ملابسهم وأكمامهم . فقد بادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر ، فأشاروا على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالخروج ، وألحوا عليه في ذلك ، حتى قال قائلهم : يا رسول اللّه ، كنا نتمنى هذا اليوم وندعوا اللّه ، فقد ساقه إلينا وقرب المسير ، اخرج إلى أعدائنا ، لا يرون أنا جبنّا عنهم . وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - الذي كان قد رأى فرند سيفه في معركة بدر - فقد قال للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم : والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة « 1 » . ورفض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأيه أمام رأي الأغلبية ، واستقر الرأي على الخروج من المدينة ، واللقاء في الميدان السافر . تكتيب الجيش الإسلامي وخروجه إلى ساحة القتال : ثم صلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالناس يوم الجمعة ، فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد ، وأخبر أن لهم النصر بما صبروا ، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ، ففرح الناس بذلك . ثم صلى بالناس العصر ، وقد حشدوا وحضر أهل العوالي ، ثم دخل بيته ، ومعه
--> ( 1 ) السيرة الحلبية 2 / 14 .