صفي الرحمان مباركفوري
222
الرحيق المختوم
العنيدة ، وعلموا أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لن يتوانى في استخدام القوة حين يرى أن النصح لا يجدي نفعا لمن يريد العبث بالأمن وإثارة الاضطرابات وعدم احترام المواثيق ، فلم يحركوا ساكنا لقتل طاغيتهم ، بل لزموا الهدوء ، وتظاهروا بإيفاء العهود ، واستكانوا ، وأسرعت الأفاعي إلى جحورها تختبئ فيها . وهكذا تفرغ الرسول صلى اللّه عليه وسلم - إلى حين - لمواجهة الأخطار التي كان يتوقع حدوثها خارج المدينة ، وأصبح المسلمون وقد تخفف عنهم كثير من المتاعب الداخلية التي كانوا يتوجسونها ، ويشمون رائحتها بين آونة وأخرى . غزوة بحران وهي دورية قتال كبيرة ، قوامها ثلاثمائة مقاتل ، قادها الرسول صلى اللّه عليه وسلم في شهر ربيع الآخر سنة 3 ه إلى أرض يقال لها بحران - وهي معدن بالحجاز في ناحية نزع - فأقام بها شهر ربيع الآخر ثم جمادى الأولى ( من السنة الثالثة من الهجرة ) ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق حربا « 1 » . سرية زيد بن حارثة وهي آخر وأنجح دورية للقتال قام بها المسلمون قبل أحد ، وقعت في جمادى الآخرة سنة 3 ه . وتفصيلها أن قريشا بقيت بعد بدر يساورها القلق والاضطراب ، وجاء الصيف واقترب موسم رحلتها إلى الشام ، فأخذها همّ آخر . قال صفوان بن أمية لقريش - وهو الذي انتخبته قريش في هذا العام لقيادة تجارتها إلى الشام - : إن محمدا وصحبه عوروا علينا متجرنا ، فما ندري كيف نصنع بأصحابه ، وهم لا يبرحون الساحل ؟ وأهل الساحل قد وادعهم ودخل عامتهم معه ، فما ندري أين نسلك ؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا ، فلم يكن لها من بقاء . وإنما حياتنا
--> ( 1 ) ابن هشام 2 / 50 ، 51 ، وزاد المعاد 2 / 91 ، واختلفت المصادر في تعيين سبب هذه الغزوة فقيل : إن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن بني سليم يحشدون قوات كبيرة لغزو المدينة أو أطرافها ، وقيل : بل خرج يريد قريشا ، وهذا الثاني هو الذي ذكره ابن هشام واختاره ابن القيم - حتى لم يذكر الأول رأسا - وهو الموجه ، وذلك لأن ديار بني سليم لم تكن بناحية الفرع ، وإنما هي في نجد بعيدة عن ناحية الفرع .