صفي الرحمان مباركفوري
205
الرحيق المختوم
كيف شاءوا ، ويأسروننا كيف شاءوا ، وأيم اللّه مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض ، واللّه ما تليق « 1 » شيئا ، ولا يقوم لها شيء . قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة بيدي ، ثم قلت : تلك واللّه الملائكة . قال : فرفع أبو لهب يده ، فضرب بها وجهي ضربة شديدة ، فثاورته ، فاحتملني فضرب بي الأرض ، ثم برك علي يضربني ، وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة ، فأخذته ، فضربته به ضربة فعلت في رأسه شجة منكرة ، وقالت : استضعفته أن غاب عنه سيده ، فقام موليا ذليلا ، فو اللّه ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه اللّه بالعدسة فقتلته [ وهي قرحة تتشاءم بها العرب ، فتركه بنوه ، وبقي ثلاثة أيام لا تقرب جنازته ، ولا يحاول دفنه ، فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ، ثم دفعوه بعود في حفرته ، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه ] . هكذا تلقت مكة أنباء الهزيمة الساحقة في ميدان بدر ، وقد أثر ذلك فيهم أثرا سيئا جدا ، حتى منعوا النياحة على القتلى ، لئلا يشمت بهم المسلمون . ومن الطرائف أن الأسود بن المطلب أصيب ثلاثة من أبنائه يوم بدر ، وكان يحب أن يبكي عليهم ، وكان ضرير البصر ، فسمع ليلا صوت نائحة ، فبعث غلامه ، وقال : انظر هل أحل النحب ؟ هل بكت قريش على قتلاها ؟ لعلي أبكي على أبي حكيمة - ابنه - فإن جوفي قد احترق ، فرجع الغلام وقال : إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته ، فلم يتمالك الأسود نفسه وقال : أتبكي أن يضل لها بعير * ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بني هصيص * ومخزوم ورهط أبي الوليد وبكي إن بكيت على عقيل * وبكي حارثا أسد الأسود وبكيهم ، ولا تسمي جميعا * وما لأبي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال * ولولا يوم بدر لم يسودوا المدينة تتلقى أنباء النصر : ولما تم الفتح للمسلمين أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيرين إلى أهل المدينة ، ليعجل لهم
--> ( 1 ) لا تبقي شيئا .