صفي الرحمان مباركفوري
193
الرحيق المختوم
البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، واللّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادكم ، فما خير العيش بعد ذلك ، فروا رأيكم . وحينئذ قامت معارضة أخرى ضد أبي جهل - المصمم على المعركة - تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دون ما قتال ، فقد مشى حكيم بن حزام في الناس ، وأتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش ، وسيدها والمطاع فيها ، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي - المقتول في سرية نخلة - فقال عتبة : قد فعلت ، أنت ضامن علي بذلك ، إنما هو حليفي فعلي عقله ديته وما أصيب من ماله . ثم قال عتبة لحكيم بن حزام ، فأت ابن الحنظلية - أبا جهل ، والحنظلية أمه - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره . ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا فقال : يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا ، واللّه لئن أصبتموه لا يزال ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته ، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون . وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل - وهو يهيء درعا له - قال يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ، فقال أبو جهل : انتفخ واللّه سحره حين رأى محمدا وأصحابه ، كلا ، واللّه لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد ، وما بعتبة ما قال ، ولكنه رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه - وهو أبو حذيفة بن عتبة كان قد أسلم قديما وهاجر - فتخوفكم عليه . ولما بلغ قول أبي جهل : « انتفخ واللّه سحره » ، قال عتبة : سيعلم من انتفخ سحره ، أنا أم هو ؟ وتعجل أبو جهل مخافة أن تقوى هذه المعارضة ، فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمي - أخي عمرو بن الحضرمي المقتول في سرية عبد اللّه بن جحش - فقال : هذا حليفك - أي عتبة - يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم فأنشد خفرتك ، ومقتل أخيك ، فقام عامر ، فكشف عن استه ، وصرخ : وا عمراه ، وا عمراه فحمي