صفي الرحمان مباركفوري
187
الرحيق المختوم
ثم قديد ، ثم الجحفة ، وهناك تلقوا رسالة جديدة من أبي سفيان يقول لهم فيها : انكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، وقد نجاها اللّه فارجعوا . العير تفلت وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسي ، ولكنه لم يزل حذرا متيقظا ، وضاعف حركاته الاستكشافية ، ولما اقترب من بدر تقدم عيره ، حتى لقي مجدي بن عمرو ، وسأله عن جيش المدينة ، فقال : ما رأيت أحدا أنكره ، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شن لهما ، ثم انطلقا ، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيرهما ، ففته ، فإذا فيه النوى ، فقال : هذا واللّه علائف يثرب ، فرجع إلى عيره سريعا ، وضرب وجهها محولا اتجاهها نحو الساحل غربا ، تاركا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار . وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة ، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة . هم الجيش المكي بالرجوع ووقوع الانشقاق فيه ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع ، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلا : واللّه لا نرجع حتى نرد بدرا ، فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتعزف لنا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبدا . ولكن على رغم أبي جهل أشار الأخنس بن شريق بالرجوع فعصوه ، فرجع هو وبنو زهرة - وكان حليفا لهم ورئيسا عليهم في هذا النفير - فلم يشهد بدرا زهري واحد ، وكانوا حوالي ثلاثمائة رجل ، واغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس بن شريق ، فلم يزل فيهم مطاعا معظما . وأرادت بنو هاشم الرجوع ، فاشتد عليهم أبو جهل ، وقال : لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع . فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهرة - وهو يقصد بدرا - فواصل سيره حتى نزل قريبا من بدر ، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر .