صفي الرحمان مباركفوري

148

الرحيق المختوم

ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واخترق صفوفهم ، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم ، وقد آخذ اللّه أبصارهم عنه فلا يرونه ، وهو يتلو : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ يس : 9 ] فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، ومضى إلى بيت أبي بكر ، فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلا حتى لحقا بغار ثور في اتجاه اليمن « 1 » . وبقي المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر ، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل ، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم ، ورآهم ببابه فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمدا . قال : خبتم وخسرتم ، قد واللّه مر بكم ، وذر على رءوسكم التراب ، وانطلق لحاجته ، قالوا : واللّه ما أبصرناه ، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم . ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليا ، فقالوا : واللّه إن هذا لمحمد نائما ، عليه برده ، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا . وقام عليّ عن الفراش ، فسقط في أيديهم ، وسألوه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : لا علم لي به « 2 » . من الدار إلى الغار غادر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة الموافق 12 / 13 سبتمبر سنة 622 م « 3 » . وأتى إلى دار رفيقه - وآمن الناس عليه في صحبته وماله - أبي بكر رضي اللّه عنه . ثم غادرا منزل الأخير من باب خلفي ، ليخرجا من مكة على عجل ، وقبل أن يطلع الفجر . ولما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعلم أن قريشا ستجد في الطلب ، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا ، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما ، وهو الطريق الواقع جنوب مكة ، والمتجه نحو اليمن . سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال ، حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور ، وهذا جبل شامخ ، وعر الطريق ، صعب المرتقى ، ذا أحجار كثيرة ، فحفيت قدما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : بل كان يمشي في الطريق

--> ( 1 ) نفس المصدر 1 / 483 ، زاد المعاد 2 / 52 . ( 2 ) نفس المصدرين السابقين . ( 3 ) رحمة للعالمين 1 / 95 - ويكون شهر صفر هذا من السنة الرابعة عشر من النبوة إذا فرضنا بداية السنين من شهر محرم ، وأما إذا بدأنا السنين من الشهر الذي أكرم اللّه فيه نبيه صلى اللّه عليه وسلم بالنبوة ، فيكون شهر صفر هذا من السنة الثالثة عشر قطعا . وعامة من يكتب في السيرة ربما يختار هذا ، وربما يختار ذلك ، فكثيرا ما يتخبط في ترتيب الوقائع ، ويقع في أغلاط ونظرا إلى ذلك . اخترنا بداية السنين من شهر محرم .