صفي الرحمان مباركفوري

127

الرحيق المختوم

ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن ، يأكلون من الغث المنتن ، ويتركون الطيب السمين . ورأى النساء اللاتي يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم ، رآهن معلقات بثديهن . ورأى عيرا من أهل مكة في الإياب والذهاب ، وقد دلهم على بعير ندّ لهم ، وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون ، ثم ترك الإناء مغطى ، وقد صار ذلك دليلا على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء « 1 » . قال ابن القيم : فلما أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قومه أخبرهم بما أراه اللّه عز وجل من آياته الكبرى ، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضرارهم عليه ، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس ، فجلاه اللّه له ، حتى عاينه ، فطفق يخبرهم عن آياته ، ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا ، وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه ، وأخبرهم عن وقت قدومها ، وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها وكان الأمر كما قال ، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا ، وأبى الظالمون إلا كفورا « 2 » . يقال : سمي أبو بكر رضي اللّه عنه صديقا لتصديقه هذه الوقعة حين كذبها الناس « 3 » . وأوجز وأعظم ما ورد في تعليل هذه الرحلة هو قوله تعالى : لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [ الإسراء : 1 ] وهذه سنة اللّه في الأنبياء ، قال : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ الأنعام : 75 ] وقال لموسى : لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [ طه : 23 ] وقد بين مقصود هذه الإرادة بقوله : وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فبعد استناد علوم الأنبياء إلى رؤية الآيات يحصل لهم من عين اليقين ما لا يقادر قدره ، وليس الخبر كالمعاينة ، فيتحملون في سبيل اللّه ما لا يتحمل غيرهم ، وتصير جميع قوات الدنيا عندهم كجناح بعوضة لا يعبئون بها إذا ما تدول عليهم بالمحن والعذاب . والحكم والأسرار التي تمكن وراء جزئيات هذه الرحلة إنما محل بحثها كتب أسرار الشريعة ، ولكن هنا حقائق بسيطة تتفجر من ينابيع هذه الرحلة المباركة وتتدفق إلى حدائق

--> ( 1 ) المصادر السابقة وابن هشام 1 / 397 ، 402 ، 403 ، 404 ، 405 ، 406 . ( 2 ) زاد المعاد 1 / 48 ، وانظر أيضا صحيح البخاري 2 / 684 ، وصحيح مسلم 1 / 96 ، وابن هشام 1 / 402 ، 403 . ( 3 ) نفس المصدر الأخير 1 / 399 .