صفي الرحمان مباركفوري

119

الرحيق المختوم

2 - إياس بن معاذ - كان غلاما حدثا من سكان يثرب ، قدم في وفد من الأوس ، جاءوا يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج ، وذلك قبيل حرب بعاث في أوائل سنة 11 من النبوة ، إذ كانت نيران العداوة متقدة في يثرب بين القبيلتين - وكان الأوس أقل عددا من الخزرج - فلما علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمقدمهم جاءهم فجلس إليهم ، وقال لهم : « هل لكم في خير مما جئتم له ؟ » فقالوا : وما ذاك ؟ قال : « أنا رسول اللّه ، بعثني إلى العباد ، أدعوهم أن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئا ، وأنزل عليّ الكتاب » ، ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فقال إياس بن معاذ : أي قوم ، هذا واللّه خير مما جئتم له ، فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع - رجل كان في الوفد - حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجه إياس ، وقال : دعنا عنك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا ، فصمت إياس وقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وانصرفوا إلى المدينة من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش . وبعد رجوعهم إلى يثرب لم يلبث إياس أن هلك ، وكان يهلل ويكبر ويحمد ، ويسبح عند موته ، فلا يشكون أنه مات مسلما « 2 » . 3 - أبو ذر الغفاري - وكان من سكان نواحي يثرب ، ولما بلغ إلى يثرب خبر مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم بسويد بن صامت وإياس بن معاذ وقع في أذن أبي ذر أيضا ، وصار سببا لإسلامه « 3 » . روى البخاري عن ابن عباس قال : قال أبو ذر : كنت رجلا من غفار ، فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي ، فقلت : لأخي انطلق إلى هذا الرجل وكلمه ، وآتني بخبره ، فانطلق ، فلقيه ، ثم رجع ، فقلت : ما عندك ؟ فقال : واللّه لقد رأيت رجلا يأمر بالخير ، وينهى عن الشر ، فقلت له : لم تشفني من الخبر ، فأخذت جرابا وعصا ، ثم أقبلت إلى مكة ، فجعلت لا أعرفه ، وأكره أن أسأل عنه ، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد . قال : فمر بي عليّ . فقال : كأن الرجل غريب ؟ قال : قلت : نعم . فقال : فانطلق إلى المنزل ، فانطلقت معه ، لا يسألني عن شيء ولا أسأله ولا أخبره . فلما أصبحت غدوت إلى المسجد ؛ لأسأل عنه ، وليس أحد يخبرني عنه بشيء . قال : فمر بي علي فقال : أما زال للرجل يعرف منزله بعد ؟ قال : قلت : لا . قال : فانطلق معي ، قال : فقال : ما أمرك ؟ وما

--> ( 2 ) ابن هشام 1 / 427 ، 428 ، وتاريخ إسلام للنجيب‌آبادي 1 / 126 . ( 3 ) نفس المصدر الأخير 1 / 128 .