صفي الرحمان مباركفوري

116

الرحيق المختوم

دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن أي قوة من قوات الكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها : وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ ، أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الأحقاف : 32 ] وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً [ الجن : 12 ] . أمام هذه النصرة ، وأمام هذه البشارات ، أقشعت سحابة الكآبة والحزن واليأس ، التي كانت مطبقة عليه منذ أن خرج من الطائف مطرودا مدحورا ، حتى صمم على العود إلى مكة ، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة اللّه الخالدة بنشاط جديد وجد وحماس . وحينئذ قال له زيد بن حارثة : كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك ؟ يعني قريشا . فقال : يا زيد إن اللّه جاعل لما ترى فرجا ومخرجا ، وإن اللّه ناصر دينه ومظهر نبيه . وسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى إذا دنا من مكة مكث بحراء ، وبعث رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال : أنا حليف ، والحليف لا يجير . فبعث إلى سهيل بن عمرو ، فقال سهيل : إن بني عارم لا تجير على بني كعب ، فبعث إلى المطعم بن عدي ، فقال المطعم : نعم ، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال : البسوا السلاح ، وكونوا عند أركان البيت ، فإني قد أجرت محمدا ، ثم بعث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن ادخل ، فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام ، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى : يا معشر قريش ، إني قد أجرت محمدا فلا يهجه أحد منكم ، وانتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الركن فاستلمه ، وصلى ركعتين ، وانصرف إلى بيته ، ومطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته . وقيل : إن أبا جهل سأل مطعما : أمجير أنت أم متابع - مسلم - ؟ قال : بل مجير . قال : قد أجرنا من أجرت « 1 » . وقد حفظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للمطعم هذا الصنيع ، فقال في أسارى بدر : لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له « 2 » .

--> ( 1 ) التقطنا تفصيل حادث الطائف من ابن هشام 1 / 419 ، 420 ، 421 ، 422 ، وزاد المعاد 2 / 46 ، 47 ، ومختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 141 ، 142 ، 143 ، ورحمة للعالمين 1 / 71 ، 72 ، 73 ، 74 ، وتاريخ إسلام للنجيب‌آبادي 1 / 123 ، 124 . ( 2 ) صحيح البخاري 2 / 573 .