صفي الرحمان مباركفوري
113
الرحيق المختوم
المرحلة الثالثة دعوة الإسلام خارج مكة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الطائف في شوال « 1 » سنة عشر من النبوة ( في أواخر مايو أو أوائل يونيو سنة 619 م ) خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف ، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلا ، سارها ماشيا على قدميه جيئة وذهوبا ، ومعه مولاه زيد بن حارثة ، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام ، فلم تجب إليه واحدة منها ، فلما انتهى إلى الطائف عمد ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف ، وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي ، فجلس إليهم ودعاهم إلى اللّه ، وإلى نصرة الإسلام ، فقال أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة ( أي يمزقها ) ، إن كان اللّه أرسلك ، وقال الآخر : أما وجد اللّه أحدا غيرك ، وقال الثالث : واللّه لا أكلمك أبدا ، إن كنت رسولا لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على اللّه ما ينبغي أن أكلمك . فقام عنهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال لهم : إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني . وأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام ، لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمة ، فقالوا : اخرج من بلادنا ، وأغروا به سفهاءهم ، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم ، يسبونه ويصيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس ، فوقفوا له سماطين ( أي صفين ) وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه ، ورجموا عراقيبه ، حتى اختضب نعلاه بالدماء . وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه ، حتى أصابه شجاج في رأسه ، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجئوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة ، على ثلاثة أميال من الطائف ، فلما التجأ إليه رجعوا عنه ، وأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى حبلة من عنب ، فجلس تحت ظلها إلى جدار فلما جلس إليه واطمأن ، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنا مما لقي من الشدة ، وأسفا على أنه لم يؤمن به أحد ، قال :
--> ( 1 ) صرح بذلك النجيبآبادي في تاريخ الإسلام 1 / 122 ، وهو الراجح عندي .