أحمد بن حجر الهيتمي المكي
77
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
دونه ، وأمر المؤمنون بهما ؛ لأن له معنيين : التحية والانقياد ، فأمرنا بهما لصحتهما منا ، ولم يضف هو للّه تعالى ولا لملائكته ؛ حذرا من إيهام أنه فيهما بمعنى الانقياد المستحيل في حقهما . وقد يقال أيضا : الصلاة منهما متضمنة للسلام بمعنى التحية الذي لا يتصور منهما غيره ، فكان في إضافة الصلاة إليهما استلزام لوجود السلام منهما بهذا المعنى ، وأما الصلاة منا . . فهي وإن استلزمت التحية أيضا ، إلا أنا مخاطبون بالانقياد ، وهي لا تستلزمه ، فاحتيج إلى التصريح به فينا ؛ لأن الصلاة لا تغني عن معنييه المتصوّرين في حقنا المطلوبين منا ، وهذا أولى مما قبله ؛ لأن ذلك يرد عليه قوله تعالى : سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ، وقوله : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ . سَلامٌ عَلَيْكُمْ ولا يرد هذان على ما ذكرته ، فتأمله . وبما تقرر من أن السلام يأتي بمعنى التحية - وهذا هو المراد من سلام اللّه تعالى على أنبيائه - . . اندفع استشكال سلام اللّه تعالى عليهم بأنه دعاء ، وهو لا يتصور من اللّه تعالى ؛ لأنه الطلب ، واللّه تعالى مدعو ومطلوب منه ، لا داع وطالب . وسقط أيضا قول بعضهم : ( هذا إشكال له شأن ، فينبغي الاعتناء به ، ولا يهمل أمره ، فقلّ من يدرك سرّه ) ، وجوابه : أن الطلب يتضمن ثلاثة : طالبا ، ومطلوبا ، ومطلوبا منه ؛ فهذه الثلاثة أركان ، وتغايرها ظاهر في الطالب لشيء من غيره ، أما الطالب لشيء من نفسه . . فيتّحد فيه الطالب والمطلوب منه ، وهذا هو الموجب لغموض هذه المسألة ؛ لأن حقيقة الطالب مغايرة لحقيقة المطلوب منه ، فيتعذر طلب الإنسان من نفسه ، وكشفه : أن الطلب من باب الإرادات ، والمريد كما يريد من غيره أن يفعل شيئا ، فكذلك يريد من نفسه هو أن يفعله ، والطلب النفسي وإن لم يكن الإرادة ، فهو أخص منها ، وهي كالجنس له ، فكما يعقل أن المريد يريد من نفسه . . فكذلك يطلب منها ؛ إذ لا فرق بين الطلب والإرادة .