أحمد بن حجر الهيتمي المكي

51

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

عن قلوب طاهرة ، ثمّ يزيدها التعاون تأثيرا دائما ، وإنما كان في يوم الجمعة وقت مبهم يستجاب فيه الدعاء ؛ لأن اجتماع القلوب الصافية فيه في وقت واحد مبهم ، لا يدرى متى يتفق ، لكن الغالب أن اليوم لا يخلو عنه ، وهو وقت النفحات التي يتعرض لها ، وربما كان اجتماع الهمم يوم الجمعة عند الأسباب الجامعة كابتداء الخطبة وابتداء الصلاة وهو أولى ، وإن كان الأولى عدم الجزم بتعيين وقت ، ولذلك تتوقع النفحات في الأسحار لصفاء القلوب ، فإذا كانت الأدعية مؤثرة في استجلاب مزايا الفضل ، وكان ما وعد به صلى اللّه عليه وسلم من نحو الحوض والشفاعة وسائر المقامات المحمودة غير محدود على وجه لا تتصوّر الزيادة فيها . . كان استمداده من الأدعية استزادة لتلك الكرامات . الأمر الثاني : ارتياحه به كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إني أباهي بكم الأمم » « 1 » كما يرتاح العالم في مدة الحياة بكثرة تلامذته ، وكثرة ثنائهم وثباتهم ، ودعائهم الدالّ على رشدهم ، وعلى كمال تأثير إرشاده فيهم ، وعلى كمال محبتهم له ؛ بسبب إرشاده إياهم ، فكذلك الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين يرتاحون . ولا يبعد أن يكون لهم جزء في الدعاء والصلاة ، مع سقوط الحواس الخمس ، فليس الإدراك محصورا فيها ، بل في القلب باب مفتوح في الباطن إلى الملكوت « 2 » ، تغلقه الشواغل والشهوات ، وربما يفتحه الندم الدافع لهما حتى يطلعه على الغيب ، بل على أحوال الموتى حتى يعرف ما يفعل اللّه بهم من عقوبة أو رحمة ، فإذا لم يبعد أن تحصل لنا معرفة بأحوالهم مع انغماسنا في هذا العالم المظلم . . لم يبعد أن تحصل لهم معرفة بمجاري أحوالنا ، مع أنهم في عالم القدس والصفاء ودار الحيوان ، ولاطلاع النائم على أحوال الموتى ،

--> ( 1 ) أخرجه الديلمي في « الفردوس » ( 2663 ) ، وعبد الرزاق ( 10391 ) . ( 2 ) الملكوت : عالم الغيب المختصّ بأرواح النفوس . الملك : عالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية .