أحمد بن حجر الهيتمي المكي
111
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
السابقة ب « عبدك ونبيك ورسولك . . . » إلخ ؛ لبيان ما يقتضيه حق مقام النبوة من مزيد التأدب معه بذكر عظيم أوصافه . والحاصل : أن شهوده صلى اللّه عليه وسلم كان يتفاوت ، فتارة يؤثر مقام التواضع وهو الأكثر في الروايات ، وتارة يؤثر بيان ما هو الواقع ؛ مبالغة في نصح الأمة وإرشادهم إلى الأولى والأكمل ، وقد يجب هذا كما في ( السلام عليك أيها النبي ) في التشهد ؛ فإنه لا يجزئ غير هذا اللفظ ، اقتصارا على الوارد لتطابق جميع روايات التشهد عليه ، بخلاف روايات تعليم كيفية الصلاة ؛ فإنها اختلفت كما مرّ . وحكمة اتفاقها ثمّ واختلافها هنا : أنه هنا مقتض للتواضع ، وهو مقابلة اسمه باسم أبيه إبراهيم صلى اللّه عليهما وسلم ، فاثره في الأكثر كما مرّ ، وفي التشهد لا مقتضى له ، فاثر ما هو الأنفع للأمة ، وهو إتيانهم بما هو الأليق بكماله صلى اللّه عليه وسلم . واقتصر صلى اللّه عليه وسلم على اسمه محمد في حديث الترمذي الآتي في ( الخامس والثلاثين من الأحوال التي تستحب فيها الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ) ، حيث علّم الأعمى أن يقول : « يا محمد ؛ إني متوجه بك إلى ربي . . . » إلخ « 1 » ؛ لأنه في مقام الدعاء والتوسل به صلى اللّه عليه وسلم ، فكان التواضع أليق به ، على أنه بيّن حق المقام بقوله قبل ( يا محمد ) : ( نبيك نبي الرحمة ) فتأمل ذلك ، وأعرض عمّا سواه . وحكمة قول عيسى في حديث الشفاعة : « اذهبوا إلى محمد » . . الإعلام بمقامه المحمود الذي اختص به ذلك اليوم ، ولهذا يقال له صلى اللّه عليه وسلم لمّا يخر ساجدا لربه سبحانه وتعالى : « يا محمد ؛ ارفع رأسك » « 2 » إشعارا بذلك ، وبقبول شفاعته صلى اللّه عليه وسلم ، ومن ثم قيل له عقبه :
--> ( 1 ) سيأتي تخريجه ( ص 242 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 4712 ) ، ومسلم ( 194 ) .