ابن عبد البر

94

الدرر في اختصار المغازي والسير

وقد قيل إن جبّار بن صخر من بنى سلمة ، وكان من صالحي المسلمين ، جعل ينخسها منافسة على بنى النجار في نزول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندهم ، فانتهره أبو أيوب على ذلك وأوعده . فلما نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ناقته أخذ أبو أيوب رحله ، فحمله إلى داره . ونزل صلى اللّه عليه وسلم دار أبى أيوب في بيت منها : علّيّته ( 1 ) مسكن أبى أيوب . وكان أبو أيوب قد أراد أن ينزل له عن ذلك المسكن ويسكنه فيه ، فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما كان بعد أيام سقط شيء من ماء أو غبار على رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك البيت ، فنزل أبو أيوب وأقسم على رسول اللّه وأبدى الرغبة له ليطلعن إلى منزله ويهبط أبو أيوب عنه . ففعل ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساكنا عند أبي أيوب حتى بنى مسجده ( 2 ) ، وحجره ومنازل / أزواجه . ثم انتقل عنه إلى ما بنى في ذلك المربد . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد سأل عنه فقيل هو لغلامين ، فأراد شراءه ، فأبت بنو النجار من بيعه ، وبذلوه للّه ، وعاوضوا اليتيمين بما هو أفضل . وقد روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبى أن يأخذه إلا بثمن ، واللّه أعلم ( * ) .

--> ( 1 ) واضح من السياق ان الرسول لما نزل في بيت أبى أيوب نزل في السفل وبقي أبو أيوب مع زوجه في العلو . حتى إذا سقط الماء أو الغبار على الرسول فزع أبو أيوب وظل يتوسل إليه أن ينزل مع زوجه إلى السفل ويصعد الرسول مع أهله إلى العلو حتى أجابه . ( 2 ) ويقال أنه مكث في دار أبى أيوب سبعة أشهر . * قلت : فيه ما يدل على جواز بيع عقار اليتيم وان لم يكن محتاجا للنفقة ، إذا كان في البيع مصلحة ، اما للتعويض بما هو أولى واما ان تدعو حاجة المسلمين إلى ذلك لبناء مسجد أو سور ونحوه . فتأمله . ونبش قبور المشركين وتعويض الأرض عنهم بتعبدات المسلمين وبركاتهم أضل في جعل الكنائس المفتتحة مساجد وجوامع . وهي سنة المسلمين فيما يفتحونه من البلاد . وفيه دليل على طهارة المقابر الدواثر . واللّه أعلم .