ابن عبد البر

64

الدرر في اختصار المغازي والسير

هذان وأفلح قومهما . ثم سألا المباح ، فقال : العظم مباح لكم ، والرّوث علف لدوابّكم . قال عبد اللّه بن مسعود : وإنهما ليجدانهما أعظم ما كان وأطراه . قال أبو عمر رضى اللّه عنه : هذا الخبر عن ابن مسعود متواتر من طرق شتى حسان كلها إلا حديث أبي زيد عن ابن مسعود الذي فيه ذكر الوضوء بالنبيذ ، فإن أبا زيد مجهول لا يعرف في أصحاب ابن مسعود « 1 » ويكفى من ذكر الجنّ ما في سورة الرحمن وسورة ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) وما جاء في الأحقاف : قوله ( وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) - الآيات . وفي خبر علقمة عن ابن مسعود أنه قال : وددت أن أكون معه / ليلة الجنّ « 2 » . و [ في ] قول علقمة : وددت أن صاحبنا معه ليلتئذ ما يدفع الأخبار الواردة بذلك ، لأن المعنى أنه لم يكن معه ، ولا زال عن الخطّ الذي خطّ له . أخبرنا عبد اللّه بن محمد ، قال : أخبرنا محمد ، قال : أخبرنا سليمان ، قال : أخبرنا محمد ، قال : أخبرنا محمد بن المثنى ، قال : أنبأنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان عن أبي عبيدة بن عبد اللّه بن مسعود ، قال « 3 » :

--> ( 1 ) روى الزمخشري الحديث الأول عن ابن مسعود وذكر عن سعيد بن جبير أنه قال : ما قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الجن ولا رآهم ، وانما كان يتلو في صلاته ، فمروا به ، فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر ، فأنبأه اللّه باستماعهم . انظر تفسير الزمخشري في سورة الأحقاف ( طبعة المطبعة الكبرى الأميرية سنة 1319 ه ) 3 / 102 ويؤيده - كما لاحظ ابن عبد البر - ظاهر آية ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) وآيات الأحقاف ، أما ما يشير إليه من سورة الرحمن فهو ما جاء فيها مما يدل على أن الجن مكلفون وانهم يثابون على أعمالهم ، وسيعرض لذلك المعلق على الكتاب عما قليل ( 2 ) نص هذا الحديث في صحيح مسلم : عن علقمة عن عبد اللّه بن مسعود قال : لم أكن ليلة الجن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووردت انى كنت معه . وقبله حديث أكثر طولا وفيه قال علقمة : أنا سألت ابن مسعود فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن قال : لا . وعلق النووي على ذلك بقوله : هذا صريح في ابطال الحديث المروى في سنن أبي داود وغيره المذكور فيه الوضوء بالنبيذ وحضور ابن مسعود معه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن فان هذا الحديث صحيح وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين ، ومداره على أبى زيد مولى عمرو ابن حريث وهو مجهول . انظر النووي على صحيح مسلم 4 / 668 ( 3 ) انظر في هذا الحديث وتالييه ابن سيد الناس 1 / 137