ابن عبد البر
6
الدرر في اختصار المغازي والسير
ارتحلوا عن قرطبة أبو عمر بن عبد البر ميمّما بطليوس في غربى الأندلس ، حيث أمراؤها بنو الأفطس ، وما كاد يستقر في حاضرتهم حتى أكرموه غاية الإكرام وولّوه القضاء في بلدتى أشبونة وشنترين من بلدان إمارتهم . ويتحول إلى شرقي الأندلس وينزل بلنسية ودانية ، وربما كان مما حبّبه في الأخيرة مجاهد الذي كان يمسك بمقاليد الحكم فيها ، فقد كان مشاركا في علوم القرآن والحديث كما « كان محبا للعلماء محسنا لهم حتى عرف بذلك بلده وقصد من كل مكان » وكان لابن عبد البر ابن أديب وكاتب بليغ ، فوظّفه مجاهد في دواوينه ، حتى إذا توفّى اتخذه ابنه على ( 436 - 468 ه ) رئيسا لدواوينه وكتّابه . وحدث أن صدر عنه برسالة إلى المعتضد صاحب إشبيلية ( 436 - 461 ه ) وبدلا من أن يتلقاه لقاء حسنا حبسه في سجنه ، مما جعل أباه يقصده مستعطفا بمثل قوله : قصدت إليك من شرق لغرب * لتبصر مقلتى ما حلّ سمعي وتعطفك المكارم نحو أصل * دعاكم راغبا في خير فرع فإن جدتم به من بعد عفو * فليس الفضل عندكم ببدع وسرعان ما ردّ المعتضد إلى ابنه حريته وعاد إلى دانية ، وقد لبىّ نداء ربه في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ولعل ذلك هو الذي جعل أباه يتحول عن دانية إلى شاطبة ، وبها يسلم روحه إلى بارئه في سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن خمسة وتسعين عاما . وهذه السّنّ العالية جعلت ابن عبد البر كما شهد موت ابنه يشهد ويسمع عن موت كثيرين من تلاميذه مثل ابن حزم وكان يصغره بنحو عشرين عاما ، وتوفّى قبله بنحو سبعة أعوام . وكان يجنح في باكورة حياته إلى مذهب الظاهرية أتباع داود بن علي الأصبهاني الذي كان ينكر الرأي في الفقه والتشريع ويبنى أحكامه على ظاهر الآيات القرآنية والسّنّة النبوية . على أنه لم يلبث أن انتظم فيما انتظم فيه جمهور أساتذته وأهل موطنه من اعتناق مذهب مالك بن أنس ، وكان فيه اعتدال جعله يميل إلى بعض آراء الشافعي الفقهية ، وكأنه لم يكن يعرف التعصب والتحيز إنما يعرف الحقّ ويطلبه ، فإذا استبان له انقاد راضيا . ويجمع من ترجموا له على الإشادة بعلمه وروايته الغزيرة للحديث النبوي ، وفيه يقول الحميدي تلميذه : « فقيه حافظ مكثر عالم بالقراءات وبالخلاف في الفقه وبعلوم الحديث