ابن عبد البر

44

الدرر في اختصار المغازي والسير

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمّار ، وأمه سميّة ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد . فأما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فمنعه اللّه بعمه أبى طالب ، وأما أبو بكر فمنعه اللّه بقومه ، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس ، فما منهم إلا من واتاهم فيما أرادوا وأوهمهم بذلك إلا بلال ، فإنه هانت عليه نفسه في اللّه عزّ وجلّ ، وهان على قومه فأخذوه ، وأعطوه الولدان « 1 » ، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة ، وهو يقول : أحد ، أحد . وعن مجاهد مثله سواء « 2 » ، وزاد في قصة بلال : وجعلوا في عنقه حبلا ، ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به ، حتى أثّر الحبل في عنقه ، ثم ملّوه فتركوه . قال ابن عبد البر : وقد ذكرنا خبره بأكثر من هذا في بابه من كتاب الصحابة « 3 » . ولم يذكر ابن مسعود ولا مجاهد في هذا الخبر خديجة ولا عليا ، وهما أول من أسلم عند أكثر أهلم العلم ، لأنهما كانا في بيت رسول اللّه ، ومن كان في بيته كان في جوار عمه . ومع ذلك فإنه « 4 » لم يظهر إلى قريش منهما ذلك ، فلم يوذيا ، وهؤلاء السبعة ظهر منهم ذلك ، فلقوا الأذى الشديد من قومهم ، فقصد بهذا / الحديث إلى الخبر عنهم . حدثنا عبد اللّه ، قال : حدثنا محمد ، قال : حدثنا سليمان ، قال : حدثنا عمرو بن عثمان ومحمود ابن خالد وحسين بن عبد الرحمن ، قالوا : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمى ، عن عروة بن الزبير ، قال « 5 » :

--> ( 1 ) الولدان : الغلمان والصغار ( 2 ) ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ص 59 أن حديث مجاهد في معنى حديث ابن مسعود الا أنه لم يذكر بين السبعة المقداد وذكر موضعه خبابا ( 3 ) انظر ترجمته في الاستيعاب ص 58 وما بعدها ، وقد وصف ابن هشام في السيرة 1 / 205 تعذيب قريش له ، وكان لبعض بنى جمح ، وكان الذي يتولى كبر تعذيبه أمية بن خلف ، فكان يخرجه إذا حميت الظهيرة ، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ، ثم يقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول ، وهو في هذا العذاب والبلاء ، أحد أحد . وكأنما كان يزيده عذابه وبلاؤه ايمانا فوق ايمان ، ورق له أبو بكر حين رآه يوما في هذا الهوان الشديد ، فاشتراه وأعتقه وأعتق معه ستا ممن كانوا يعذبون على الاسلام . وسيذكر ذلك ابن عبد البر عما قليل ( 4 ) في الأصل : فإنهما ( 5 ) انظر في هذا الحديث صحيح البخاري 5 / 46