ابن عبد البر

3

الدرر في اختصار المغازي والسير

تصدير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بقلم الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم رئيس لجنة احياء التراث يعتبر علم التاريخ ، من أهم العلوم التي زخرت بها كتب علماء الإسلام ومصنّفاتهم ، وجالت فيها أقلامهم ، وتنوّعت طرائقهم ومباحثهم ، ومناهجهم ؛ ممّا تناولوه من أحداث في الجاهلية والإسلام ، وما وقع للعرب من أيّام وحروب ، وما روى حولها من أشعار ، وما كان عندهم من معارف وعلوم ؛ إلى ذكر أخبار الرسل والأنبياء والملوك ؛ وتاريخ الدّول والشعوب ، وأخبار البلدان ، وتراجم الرّجال ، ونشأة المذاهب والآراء ؛ وغير هذا مما لم يقع لغير المسلمين من الأمم . وكان من أعظم هذه المصنفات شأنا ، وأعظمها خطرا ، وأعلاها منزلة ، وأكرمها موضوعا ، وأحلاها أخبارا ، وأنداها على القلوب روحا وذكرا ؛ تلك الكتب التي تناولت السّيرة النبوية العطرة ، وتحدّثت من حياة محمد عليه السلام ؛ من يوم مولده الشريف ، إلى أن أكمل اللّه به دينه ، وأتمّ برسالته للبشر نعمته ، وترك المسلمين على الجليّة الواضحة ، والشريعة السّمحة المطهّرة . وقد افتنّ المؤرخون حول هذه السيرة الكريمة افتنانا كبيرا ؛ فمنهم من ألّف في أعلام نبوّته ، كالبيهقىّ وأبى نعيم والقاضي عبد الجبار وابن ظفر ، ومنهم من ألّف في شمائله وأحواله ، كالترمذىّ والسّيوطىّ والزّرقانىّ ، ومنهم من أرّخ له عليه السلام في أطوار حياته ومراحل عمره ، كابن إسحاق وابن هشام وابن سيّد الناس والصالحىّ وصاحب السيرة الحلبية ؛ ومنهم من أدار كتابه على معجزاته كابن دحية ، ومنهم من ألّف في صحابته ، كابن عبد البرّ وابن الأثير وابن حجر ، وغيرهم كثير . وتختلف هذه الكتب صحّة وأصالة ، وتتباين شرعة ومنهاجا ، باختلاف المصنّفين ؛ وما أتيح لهم من دراسات ، وما تهيّأ لهم من ثقافات . ويعدّ العلماء أن أحسن مؤلفات السيرة وأصدقها ، وأبعثها على الطمأنينة ، وأجنحها إلى الصحة وإتقان الأداء ؛ هي المؤلفات التي صدرت عن المحدّثين وأصحاب المسانيد ، دون الأخباريّين وأصحاب الملاحم ؛ إذ كانوا لشرف الموضوع وتعلّقه بصاحب الشريعة ؛ لا ينقلون إلّا عن الأثبات من الرّواة ، ولا يضعون في كتبهم إلّا ما صحّ عندهم من الأخبار ؛ متجافين عن الضعيف والفاسد ، متنكبين روايات الكذّابين والوضّاعين .