ابن عبد البر

257

الدرر في اختصار المغازي والسير

[ العودة من تبوك ] وأقام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بتبوك بضع عشرة ليلة ، ولم يتجاوزها « 1 » ، ثم انصرف . وكان في طريقه ماء قليل ، فنهى أن يسبق أحد إلى الماء ، فسبق إليه رجلان ، فاستنفدا ما فيه ، فسبّهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال ما شاء اللّه أن يقول . ثم وضع يده في الماء ودعا اللّه فيه بالبركة ، فجاشت العين بماء عظيم كفى الجيش كله . وأخبر - عليه السلام - أن ذلك الموضع سيملأ جنانا ، ( فكان كذلك ) . وبنى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بين تبوك والمدينة مساجد كثيرة نحو ستة عشر مسجدا ، أولها مسجد بناه بتبوك وآخرها بذى خشب « 2 » . مسجد الضّرار وكان أهل مسجد الضّرار قد أتوه وهو متجهّز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول اللّه إنا قد بنينا مسجد الذي العيلة « 3 » والحاجة والليلة المطيرة ، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلى فيه ، فقال لهم : أنا في شغل السفر ، وإذا انصرفت فسيكون « 4 » . فلما انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر في منصرفه بهدم مسجد الضّرار : / أمر بذلك مالك بن الدّخشم ومعن بن عدي وعاصم ابن عدي أخاه وأمر بإحراقه ، وقال لهم : اخرجوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدموه وأحرقوه ، فخرجوا مسرعين . وأخرج مالك بن الدّخشم من منزله شعلة نار . ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه وكان الذين بنوه : خذام بن خالد من بنى عبيد بن زيد أحد بنى عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الضّرار ، ومعتّب بن قشير من بنى ضبيعة بن زيد ، وأبو حبيبة بن الأزعر من بنى ضبيعة « 5 » ابن زيد ، وعبّاد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بنى عمرو بن عوف ، وجارية بن عامر وابناه : مجمّع وزيد ابنا جارية ، ونبتل بن الحارث من بنى ضبيعة ، وبحزج وهو من بنى

--> ( 1 ) في ابن سعد : ان الرسول أقام على تبوك عشرين ليلة ( 2 ) ذو خشب : على مرحلة من المدينة . ( 3 ) العيلة : الفقر ، وفي ابن هشام : العلة ( 4 ) فسيكون : لم يصرح الرسول بما سيكون ، وكأنه انتوى هدم المسجد منذ سمع به ، لان من اتخذوه أرادوا به ستر غايتهم من التفرقة بين المسلمين ( 5 ) هكذا في ابن هشام وغيره ، وفي الأصل : صعصعة