ابن عبد البر
231
الدرر في اختصار المغازي والسير
أهلها أحد . وخصّت بذلك لما عظّم اللّه من حرمتها ألا ترى إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : مكة حرام محرّمة لم تحلّ لأحد قبلي ولا تحلّ لأحد بعدى وإنما أحلّت لي ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة . والأصح - واللّه أعلم - أنها بلدة مؤمّنة ، أمن أهلها على أنفسهم وأمنت « 1 » أموالهم تبعا لهم . ولا خلاف [ في ] أنه لم يكن فيها غنيمة . ثم أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - العباس أن يوقف أبا سفيان / بخطم « 2 » الوادي ليرى جيوش اللّه تعالى ، ففعل ذلك العباس ، وعرض عليه القبائل قبيلة قبيلة ، يقول : هؤلاء سلم ، هؤلاء غفار ، هؤلاء تميم ، هؤلاء مزينة ، إلى أن جاء موكب النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار خاصة ، كلهم في الدروع والبيض ، فقال أبو سفيان : من هؤلاء ؟ فقال : هذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار ، فقال أبو سفيان : واللّه ما لأحد بهؤلاء قبل ، واللّه يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ، فقال العباس : يا أبا سفيان إنها النبوّة ، قال : فنعم إذن . ثم قال له العباس : يا أبا سفيان النّجاء « 3 » إلى قومك . فأسرع أبو سفيان ، فلما أتى مكة عرّفهم بما أحاط بهم ، وأخبرهم بتأمين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كل من دخل داره أو المسجد أو دار أبي سفيان . وتأبّش « 4 » قوم ليقاتلوا ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرتّب الجيوش ، وجعل الراية بيد سعد بن عبادة ، وكان من قول سعد بن عبادة : اليوم يوم الملحمة « 5 » ، اليوم تستحلّ الحرمة . فقال « 6 » العباس : يا رسول اللّه هلكت قريش ، لا قريش بعد اليوم ، إن سعد بن عبادة قال كذا وكذا وإنه حنق على قريش ، ولا بدّ أن يستأصلهم . فأمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن تنزع الراية من سعد بن عبادة وتدفع إلى علىّ ، وقيل : بل إلى الزّبير ، وقيل : / بل دفعها إلى ابنه قيس بن سعد لئلا يجد في نفسه سعد شيئا . وكان الزّبير على الميمنة وخالد
--> ( 1 ) في الأصل : وكانت . ( 2 ) حطم الوادي : أنفه البارز منه - وفي ابن هشام : بمضيق الوادي عند خطم الجبل . ( 3 ) النجاء السرعة . ( 4 ) تأبش : تجمع . ( 5 ) الملحمة : المعركة العنيفة . ( 6 ) في الأصل : فقال له .